فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 1087

الإيمان، والأعمال متفرّعة على الإيمان كمالها بحسب كمال الإيمان، وما جرى بينهم من المشاجرات والمنازعات فمحمول على محامل صالحة وحكم بالغة ما كانت عن هوى وجهل ولكن عن اجتهاد وعلم، فإن أخطأ بعضهم في الإجتهاد فللمخطئ أيضا درجة عند الله سبحانه. هذا هو الطّريق الوسط بين الإفراط والتّفريط الّذي اختاره أهل السّنّة والجماعة وهو الطّريق الأسلم والسّبيل الأحكم. وبالجملة انّ العلم والعمل مستفادان من الشّريعة، وتحصيل الإخلاص الّذي هو بمنزلة الرّوح للعلم والعمل مربوط بسلوك طريقة الصّوفيّة.

وما لم يقطع السّالك مسافة السّير إلى الله ولم يتحقّق له السّير في الله فهو بعيد من حقيقة الإخلاص ومحروم من كمالات المخلصين أهل الإختصاص. نعم قد يتحقّق الإخلاص في بعض الأعمال لعامّة المؤمنين بالتّعمّل والتّكلّف ولو في الجملة ولكنّ الإخلاص الّذي نحن في صدد بيانه هو الإخلاص في جميع الأفعال والأقوال والحركات والسّكنات من غير تعمّل وتكلّف فيه. وحصول هذا الإخلاص منوط بانتفاء الآلهة الآفاقيّة والأنفسيّة الّذي هو مربوط بالفناء والبقاء.

والوصول بالولاية الخاصّة والإخلاص الّذي يحتاج فيه إلى التّعمّل والتّكلّف لا يكون له دوام، ولا بدّ من سقوط التّكلّف في حصول الدّوام الّذي هو مرتبة حقّ اليقين. وأولياء الله تعالى كلّما يفعلونه يفعلونه لله جلّ وعلا لا لحظوظ نفوسهم فإنّ نفوسهم كانت فداء الحقّ سبحانه ولا حاجة لهم إلى تصحيح النّيّة في حصول الإخلاص فإنّ نيّتهم قد صحّت بالفناء في الله والبقاء بالله، فإنّ شخصا مثلا إذا كان أسيرا في يد نفسه فكلّما يفعله، يفعله لحظّ نفسه نوى أو لم ينو، ومتى زال تعلّقه بنفسه وتخلّص من ربقة رقّيّتها وحصل بدله التّعلّق بالحقّ جلّ وعلا فلا جرم يفعل كلّما يفعله لله نوى أو لم ينو فإنّ النّيّة إنّما يحتاج إليها في المحتمل، وأمّا المتعيّن فلا حاجة فيه إلى التّعيين ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (1) .

وصاحب الإخلاص الدّائم هو من المخلصين بفتح اللّام ومن لا دوام في إخلاصه بل هو في كسب الإخلاص دائما فهو من المخلصين بكسر اللّام وشتّان ما بينهما. والنّفع الّذي يحصل في العلم والعمل من طريق الصّوفيّة هو أن تكون العلوم الكلاميّة الإستدلاليّة كشفيّة، وأن يحصل اليسر التّامّ في أداء الأعمال وأن يزول الكسل النّاشئ من جانب النّفس والشّيطان. (ع) وهذي سعادات تكون نصيب من * والسّلام أوّلا وآخرا.

(1) الآية: 21 من سورة الحديد، والآية: 4 من سورة الجمعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت