لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ (1) كاف في إثبات هذا المطلب ولم يفهم جهلاء الصّوفيّة النّاقصون معنى هذه العبارة فغلطوا وخلّطوا وطفقوا يشغفون بالصّور الجميلة وينخدعون بغنجهم ودلالهم بطمع أنّهم يجعلونهم وسيلة الوصول إلى الحقيقة ومعراجا لحصول المطلوب كلّا إنّ ذلك هو عين سدّ طريق المطلوب وحاجب عن حصول المقصود والذي زيّن في نظرهم هو الباطل وهم قد وقعوا في الغرور بأنّه الحقيقة وزعم جمع منهم حسن تلك الصّور وجمالهم حسن عين الحقّ جلّ شأنه وجماله وظنّوا التّعلّق بهم عين التّعلّق بالحقّ، وزعموا مشاهدتهم عين مشاهدة الحقّ قال بعضهم. (شعر)
أمر وز چون جمال تو بى پرده ظاهر است ... در حيرتمكه وعدهء فردا براي چيست
تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا ماذا ظنّ هؤلاء القاصرون الحقّ سبحانه؟ وماذا زعموا حسنه وجماله تعالى؟ أما سمعوا أنّه إذا وقعت شعرة من شعر حور الجنان الّتي هي من مخلوقاته سبحانه فرضا في الدنيا لما أظلمت الدنيا من إضاءتها وإشراقها أبدا وقد ثبت احتراق جبل الطّور واندكاكه بتجلّ واحد من تجلّيات الحقّ جلّ وعلا وسقوط كليم الله على نبيّنا وعليه أفضل الصّلاة والسّلام مغشيّا عليه من ذلك التّجلّي مع علوّ منزلته وزيادة قربه ورفعته بنصّ القرآن وهؤلاء مع قصور عقولهم هذه يرون الحقّ سبحانه بلا حجاب في جميع الاوقات ويتعجّبون من وعد الرّؤية الاخرويّة لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (2) وعلماء أهل السّنّة والجماعة - شكر الله تعالى سعيهم - بذلوا غاية جهدهم في إثبات الرّؤية الاخرويّة ببراهين نقليّة وخالفوا في ذلك جميع الفرق فإنّه لم يقل برؤية الحقّ جلّ وعلا غير أهل السّنّة أحد من الفرق المخالفين ملّيّوهم وغير ملّيّهم بل عدوّها من المحال العقليّ وأهل السّنّة أيضا قالوا: إنّها بلا كيف وإنّها مخصوصة بتلك النّشأة وهؤلاء المهوّسون يزعمون حصول هذه الدولة الباهرة في هذه النّشأة الفانية وصاروا مسرورين بمنامهم وخيالهم رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (3) والسّلام على من اتّبع الهدى (4) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات.
(1) الآية: 30 من سورة النور.
(2) الآية: من سورة.
(3) الآية: 10 من سورة الكهف.
(4) الآية: من سورة.