بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ وختمهم بأفضلهم وأكملهم محمّد الّذي جاء بالصّدق صلوات الله سبحانه وبركاته عليه وعليهم وعلى من تابعهم أجمعين إلى يوم الدّين آمين. ولقد رأيت الطّالبين ينزلون المسلك الطّويل والمطلب الرّفيع بواسطة دناءة الهمّة وخسّة الفطرة وعدم وجدان صحبة الشّيخ الكامل المكمّل إلى منزلة طريق قصير ومقصد وضيع ويقنعون بكلّما يتيسّر لهم في الطّريق من حقير وخطير ويظنّون ذلك مقصدا ويزعمون أنفسهم بحصوله كملة وأرباب نهاية ويطبّقون من خسّة الفطرة واستيلاء قواهم المتخيّلة أحوالهم النّاقصة على الأحوال الكاملة الّتي بيّنها الكملة الواصلون من تمام أمرهم ونهاية سيرهم كما قيل، (ع) : وصار الفأر في رؤياه ناقة *
ويكتفون من البحر المحيط بقطرة بل بصورة قطرة ومن بحر عمّان برشحة بل بصورة رشحة ويتصوّرون المثاليّ غير المثاليّ ويسكنون عن غير المكيّف بالمكيّف ويتخيّلون المثليّ لا مثليّا وينخدعون عن اللّامثليّ بالمثليّ، وأحوال جماعة آمنوا باللّامثليّ بالتّقليد واعتقدوه أفضل من أحوال هؤلاء الطّالبين الّذين لم يتمّ سلوكهم والظّامئين القانعين بالسّراب بمراتب فإنّه فرق كثير بين المحقّ والمبطل والمصيب والمخطئ فويل للطّالبين القاصرين المنقطعين عن المطلب الّذين يظنّون المحدث قديما ويزعمون المثاليّ لا مثاليّا إن لم يكونوا معذورين بالخطأ في الكشف ويؤاخذون بهذا الخطأ والغلط، ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. وهذا كما إذا كان شخص مثلا طالب كعبة وتوجّه إليها بكمال الشّوق فاستقبله في أثناء الطّريق اتّفاقا بيت شبيه بالكعبة ولو بحسب الصّورة فخاله كعبة وصار معتكفا هناك وشخص آخر له علم بخواصّ الكعبة بالأخذ عن الواصلين إليها وصدّق بوجودها بحسب علمه فهذا الشّخص وإن لم يخط خطوة في طلب الكعبة ولكنّه لم يعتقد غير الكعبة كعبة ومحقّ في تصديقه فحاله أفضل من حال الطّالب المذكور المخطئ نعم إذا لم يعتقد الطّالب الغير الواصل إلى المطلب غير المطلب مطلبا فحاله أفضل من حال مقلّد محقّ لم يضع قدمه في طريق المطلب فإنّه مع وجود حقّيّة تصديقه بالمطلوب قاطع لمسافة طريق المطلوب ولو في الجملة فله تتحقّق المزيّة. (وطائفة) منهم أيضا جعلوا أنفسهم بهذا الكمال والخيال والوصال الوهميّ في مسند المشيخة ودعوة الخلق وضيّعوا بعلّة منقصتهم استعداد كثير من المستعدّين للكمالات وأزالوا بشؤم برودة صحبتهم حرارة طلب الطّالبين ضلّوا فأضلّوا ضاعوا فأضاعوا وتخيّل هذه الكمالات وتوهّم الوصال في المجذوبين غير السّالكين أكثر منه في السّالكين المجذوبين الغير الواصلين فإنّ المبتدي والمنتهي متشابهان في صورة الجذبة ومتساويان في العشق والمحبّة في الظّاهر وإن لم يكن بينهما مناسبة في الحقيقة وكانت أحوال كلّ منهما مغايرة لأحوال الآخر وممتازة عنها، (ع) : ما