الدنيا بعذاب الآخرة وهذا توهّم باطل بيّن البطلان (فإن قيل) قد يفهم من قوله تعالى الله يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها (1) إنّ توفّي الانفس كما هو في الموت كذلك هو في المنام أيضا فما وجه عدّ عذاب أحدهما من عذاب الدنيا وعذاب الآخر من عذاب الآخرة (أجيب) انّ التّوفّي في المنام من قبيل خروج شخص من وطنه المألوف بالشّوق والرّغبة للنّزاهة والنّظارة ليحصل له الفرح والسّرور فيرجع إلى وطنه فرحا مسرورا ومنتزهه عالم المثال الذي متضمّن لعجائب الملك والملكوت ولا كذلك التّوفّي حين الموت فإنّ فيه هدم الوطن المألوف وتخريب البناء المعمور ومن ههنا لا تحصل المحنة والكلفة في توفّي النّوم بل هو متضمّن للفرح والسّرور وفي توفّي الموت شدّة وكلفة فيكون وطن المتوفّي النّوميّ هو الدنيا وتكون المعاملة الّتي تظهر له من معاملات الدنيا والمتوفّي الموتيّ منتقل إلى الآخرة بعد تخريب وطنه المألوف وكانت المعاملة معه من معاملات الآخرة ولعلّكم سمعتم"من مات فقد قامت قيامته» (وإيّاكم) والانحراف عن اعتقادات اهل السّنّة والجماعة شكر الله تعالى سعيهم اغترارا بالكشوف الخياليّة وظهور الصّور المثاليّة فإنّ النّجاة بدون متابعة هذه الفرقة النّاجية غير متصوّرة فعليكم بالاجتهاد في اتّباع هؤلاء الاكابر غاية الإمكان تاركين ما ينافيه كائنا ما كان ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّاَ الْبَلاغُ (2) وقد أوردني انبساطكم في العبارة في توهّم أنّ هذه التّخيّلات تكاد تخرجكم من تقليد هؤلاء الاكابر وتجعلكم ممّن يتبع كشفيّات نفسه نعوذ بالله سبحانه منها ومن شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا الشّيطان عدوّ قويّ ينبغي للإنسان أن يكون واقفا على نفسه حتّى لا يخرج من الصّراط المستقيم إلى سكك أخر أيّ بلاء وقع لم تنجرّ مدّة المفارقة إلى سنة حتّى وقع الذّهول عن الاحتياط والتزام متابعة السّنّة وأهل السّنّة وحصر النّجاة في تقليد هؤلاء الاكابر الّتي كانت فيكم وجعلتم متخيّلاتكم مقتداكم وفرّعتم عليها فروعات كثيرة واحتمال ملاقاتنا يرى بحسب الظّاهر بعيدا جدّا فعليكم المعيشة والمعاملة بحيث لا ينقطع حبل الرّجاء رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (3) وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (4) ."
(1) الآية: 42 من سورة الزمر.
(2) الآية: 99 من سورة المائدة والآية: 54 من سورة النور والآية: 18 من سورة العنكبوت.
(3) الآية: 10 من سورة الكهف.
(4) الآية: 48 من سورة طه.