بسبب الدّنيا ينبغي أن تكون الكفّار الّذين لهم حظّ وافر من الدّنيا أعزّ وأفضل من الكلّ، والإنخداع بظاهر الدّنيا من عدم العقل وإنّما اللّائق بالعاقل أن يغتنم فرصة أيّام قليلة وأن يجتهد في تلك الفرصة اليسيرة في تحصيل مرضات الله تعالى والإحسان إلى خلق الله عزّ وجلّ، فإنّ التّعظيم لامر الله والشّفقة على خلق الله كليهما أصلان عظيمان لاجل النّجاة من عذاب الآخرة، وكلّ ما أخبر به المخبر الصّادق فهو مطابق لنفس الأمر ليس بالهزل ولا بالهذيان، فإلى متى يمتدّ نوم الغفلة والغرور! أليس آخره وعقباه إلى الفضيحة; والحرمان قال الله سبحانه"أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنّكم إلينا لا ترجعون"وإنّي وإن كنت أعلم أنّ وقتك لا يقتضي استماع أمثال هذه الكلمات لكونك في عنفوان الشّباب، والتّنعّمات الدّنيويّة ميسّرة والحكومة والتّسلّط على الخلق حاصلة، ولكنّ الشّفقة على أحوالك كانت باعثة على هذا القيل والقال، ولم يفت إلى الآن شيء من الفرصة، والوقت قابل للتّوبة والإنابة والشّرط البلاغ (ع) كفى الحرف لو في داخل البيت إنسان *
قد شرّف مكتوبكم الشّريف بوصوله، وما وقع فيه من الاستفسار عن كيفيّة دوام الحضور واجتماعه مع حالة النّوم الّتي هي حالة الغفلة وتعطّل القوى والإدراك من أوّلها إلى آخرها، كما أخبر بعض أكابر هذه الطّائفة العليّة بحصول هذه الدّولة العظيمة. (أيّها المخدوم) : إنّ حلّ هذا المشكل مبنيّ وموقوف على تمهيد مقدّمة لا بدّ من بيانها. فأقول: إنّ طريق التّرقّي والعروج كان مسدودا للرّوح الإنسانيّة قبل تعلّقها بهذا الجسم الهيولانيّ، وكانت مقيّدة ومحبوسة في حبس: وما منّا إلّا له مقام معلوم ولكن كانت قد أودعت في طبعها جوهرة نفيسة وهي الإستعداد للعروج والتّرقّي بشرط النّزول، وكانت مزيّتها على الملك مقرّرة من هذه الجهة، فجمع الحقّ سبحانه من كمال كرمه ذلك الجوهر النّورانيّ بهذا الجسم الظّلمانيّ فسبحان من جمع بين النّور والظّلمة وقرن الأمر بالخلق. ولمّا كان كلّ من هذين الشّيئين واقعا في مقابلة الآخرة ونقيضا له في الحقيقة، أعطى الحكيم المطلق جلّ سلطانه للرّوح نسبة التّعشّق والتّعلّق بالنّفس تحقيقا لهذا الإجتماع وتقريرا لهذا الإنتظام، وجعل هذا التّعلّق سببا للانتظام. وفي قوله تعالى"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثمّ رددناه أسفل سافلين"رمز إلى هذا البيان، وهذا التّنزيل للرّوح وتعلّقها من قبيل المدح بما يشبه الذّمّ في الحقيقة، فتهافتت الرّوح إلى عالم النّفس بالتّمام وتوجّهت إليه بكلّيّتها بواسطة تلك النّسبة الحبّيّة وجعلت نفسها تابعة لها، بل نسيت نفسها مرّة واحدة وضارت تعبّر عن نفسها بالنّفس الأمّارة. وهذه لطافة أخرى للرّوح حيث أنّها تأخذ حكم كلّ شيء تتوجّه إليه من كمال لطافته، فإذا نسيت نفسها فلا جرم أنّها نسيت أيضا حضوره السّابق مع مرتبة الوجوب