تعالت وتقدّست بالضّرورة، وتوغّلت في الغفلة بالتّمام وأخذ حكم الظّلمة، فبعث الله من كمال كرمه وشفقته على عباده الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ودعاهم إليه سبحانه بواسطة هؤلاء الأكابر، وأمرهم بمخالفة النّفس الّتي هي معشوقة الرّوح، فمن رجع القهقرى فقد فاز فوزا عظيما، ومن لم يرفع رأسه واختار الخلود إلى الأرض فقد ضلّ ضلالا بعيدا هذا ولنرجع إلى الجواب عن الإشكال ونقول: إنّه قد فهم من هذه المقدّمة من اجتماع الرّوح بالنّفس، أنّ فناء الرّوح في النّفس وبقاءها بها فحسب، فلا جرم تكون غفلة الظّاهر عين غفلة الباطن ما دام هذا الإجتماع والإنتظام موجودا، ويكون النّوم الّذي هو غفلة الظّاهر عين غفلة الباطن. فإذا طرأ الخلل على هذا الإنتظام وأعرض الباطن عن محبّة الظّاهر وأقبل على محبّة أبطن البطون وزال الفناء والبقاء اللّذان كانا للرّوح قبل، وحصل لها الفناء في الباقي الحقيقيّ والبقاء به تعالى وتقدّس فلا تؤثّر غفلة الظّاهر حينئذ في حضور الباطن. وكيف تؤثّر؟ فإنّ الباطن قد أدبر عن الظّاهر بالتّمام وجعله خلف ظهره ولم يبق للظّاهر سبيل إلى الباطن أصلا فيجوز حينئذ أن يكون الظّاهر غافلا والباطن حاضرا ولا محذور فيه ألا ترى أنّ دهن اللّوز مثلا مادام ممتزجا باللّوز حكمه حكم اللّوز فإذا ميّز عن اللّوز ظهر التّغاير والتّمايز في الأحكام. فإذا أراد الله سبحانه إرجاع مثل صاحب هذه الدّولة إلى العالم لتخليص أهله من الظّلمات النّفسانيّة بتوسّط شريعته الّتي شرعها، ينزل إلى العالم بطريق السّير عن الله بالله فيكون توجّهه إلى العالم بالتّمام من غير تعلّق بهم لأنّه على تعلّقه السّابق يعني بجناب القدس وإنّما أورد إلى هذا العالم من غير اختيار منه، فهذا المنتهى له شركة صوريّة مع سائر المبتدئين في الإعراض عن جناب قدسه تعالى وتقدّس والإقبال على الخلق، ولكن لا مناسبة بينهما في الحقيقة، فإنّ بين التّعلّق وعدم التّعلّق تفاوتا فاحشا. (وأيضا) الإقبال على الخلق في حقّ هذا المنتهى بلا اختيار منه لا رغبة له فيه، وإنّما ذلك لكون رضاء الله تعالى في ذلك الإقبال وفي حقّ المبتدئ ذاتيّ، ومع الرّغبة له فيه وليس فيه رضا الحقّ سبحانه وتعالى.
(وفرق آخر) أنّ المبتدئ يمكن له الإعراض عن الخلق والإقبال على الحقّ تعالى وتقدّس، وذلك محال في المنتهى فإنّ دوام الإقبال إلى الخلق لازم لمقامه ومرتبته. إلّا أن يتمّ أمر دعوته وارتحل من دار الفناء إلى دار البقاء، فيكون نداء اللهمّ الرّفيق الأعلى حينئذ نقد وقته.
وقد اختلف مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم في تعيين مقام الدّعوة. فقال جماعة منهم: إنّه مقام الجمع بين التّوجّه إلى الخلق والتّوجّه إلى الحقّ، والإختلاف فيه مبنيّ على الإختلاف في الأحوال والمقامات. وقد أخبر كلّ شخص عن مقامه والأمر عند الله تعالى. وما قال سيّد الطّائفة جنيد رضي الله تعالى عنه من أنّ النّهاية هي الرّجوع إلى البداية موافق لمقام الدّعوة الّذي حرّر في هذه المسودّة. فإنّ الوجه والتّوجّه في البداية إلى الخلق بالتّمام.