تربيتهم إليه والسّعيد من يقوم بحمد هذه الدولة والعاقل من يؤدّي شكر هذه النّعمة ويعدّ الخدمة بمال صاحبه سعادة نفسه ويعتقد تربية عبيد مولاه وإمائه شرف رأسه حمدا لله سبحانه على أنّ أهل تلك البقعة رطب اللّسان بذكره الخير والجاري على السنتهم أحاديث كرمه لا غير.
(116) المكتوب السّادس عشر والمائة إلى مولانا الشّيخ غلام محمّد في بيان معنى قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى (1) الآية وبيان اعتراضات أخر
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (قال الشّيخ) الاجلّ قدّس سرّه في كتابه العوارف في الباب الثاني منه في بيان معنى قوله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ (2) قال الواسطيّ: أي لذكري لقوم مخصوصين لا لسائر النّاس وهم الذين قال الله تعالى فيهم أَومَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ (3) وقال الواسطيّ أيضا: المشاهدة تذهل والحجبة تفهم لانّ الله تعالى إذا تجلّى لشيء خضع له وخشع قال الشّيخ: وهذا الذي قاله الواسطيّ صحيح في حقّ أقوام وهذه الآية تحكم بخلاف هذا الامر لأقوام آخرين وهم أرباب التّمكين يجمع لهم بين المشاهدة والفهم لا يخفى أنّ ما قاله الواسطيّ أوّلا يدلّ على أنّ الذّكرى لأهل التّمكين خصوصا لأنّهم الذين أحياهم الله بعد الموت أي أبقاهم بعد الفناء وأهل التّلوين لا فناء لهم ولا بقاء فلا حياة لهم موهوبة ثانية لأنّهم في وسط الطّريق والفناء والبقاء من أحوال الانتهاء وقوله الثاني أنّ ذكره في بيان الآية يدلّ على أنّ الذّكرى لأهل التّلوين في حال الاحتجاب والاستتار لا في وقت المشاهدة والمكاشفة لانّه اوان الذّهول فينا في هذا القول قوله الاوّل وأنّ ذكر هذه المعرفة في توسّط حاله في موضع آخر لا في بيان هذه الآية فلا منافاة ولا اعتراض للشّيخ قدّس سرّه بأنّ ما قاله الواسطيّ صحيح في أقوام أي لأهل التّلوين وهذه الآية تحكم بخلاف هذا الامر لقوم آخرين وهم أرباب التّمكين لانّ الواسطيّ بيّن في معنى الآية أنّ الذّكرى مخصوص بأرباب التّمكين لأنّهم هم الاحياء بعد الموت لا أهل التّلوين غاية ما في الباب أنّه ذكر ثانيا معرفة برأسها في بيان أحوال أهل التّلوين لا تعلّق لها ببيان الآية فلا اعتراض عليه بأنّها تخالف حكم الآية لانّ الآية وردت في حقّ قوم وهذه المعرفة بيان لأحوال قوم آخرين ولو أنّ الواسطيّ لم يخصّ الذّكرى بأهل التّمكين أوّلا وأثبت الذّكرى لأهل التّلوين أيضا في حال احتجابهم بقوله الثاني لما حصل المنافاة بين قوليه ولما ورد اعتراض الشّيخ عليه والظّاهر عندي أنّ الآية الكريمة بيان حال الفريقين فمن كان له قلب هم أرباب القلوب
(1) الآية: 37 من سورة ق.
(2) الآية: 37 من سورة ق.
(3) الآية: 122 من سورة الأنعام.