فهرس الكتاب

الصفحة 640 من 1087

وهلاك الإحسان (فإن قيل) أنت كتبت في بعض مكتوباتك أنّ مقام الرّضاء فوق مقام المحبّة (1) ومقام الحبّ (2) وهنا تكتب أنّ مقام هذه المحبّة فوق مقام الرّضاء فكيف التّوفيق بين هذين الكلامين؟ (أجيب) أنّ هذا المقام - أعني مقام المحبّة المذكورة هنا - وراء ذلك المقام - أعني مقام المحبّة والحبّ هناك - فإنّ ذلك المقام مشتمل على النّسب والاعتبارات إجمالا وتفصيلا فإنّه وإن قالوا لتلك المحبّة ذاتيّة وتصوّروا ذلك الحبّ حبّا ذاتيّا ولكنّه ليس فيه قطع النّظر عن الشّئون والاعتبارات بخلاف هذا المقام؛ فإنّه معرّى عن النّسب والاضافات كما مرّ وما اندرج في بعض المكتوبات من أنّه لا مجال للقدم فوق مقام الرّضاء الّا لخاتم الرّسل - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - كأنّه عبارة عن هذا المقام؛ فإنّه مخصوص بخاتم الرّسل - عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام - والله أعلم بحقائق الامور كلّها. (ينبغي أن يعلم) أنّ كراهة الظّاهر ليست بمنافية لرضا الباطن ومرارة الصّورة ليست بمنافية لحلاوة الحقيقة فإنّ ظاهر العارف الكامل وصورته مترو كان على ما هما عليه من الصّفات البشريّة ليكونا قبابا لكمالاته وليحصل له الإبتلاء والامتحان وليكون المحقّ ممزوجا بالمبطل وينبغي أن يتصوّر نسبة ظاهر العارف الكامل وصورته إلى باطنه وحقيقته كنسبة ثوب إلى شخص لابس لذلك الثوب ومعلوم أنّه ما مقدار الثوب وقدره بالنّسبة إلى الشّخص وكذلك قدر صورة العارف بالنّظر إلى حقيقته وربّما يظنّ مكفوفو البصر مطموسو البصيرة صورة العارف مثل الجبل ويتخيّلونها مثل صورهم الّتي لا حقائق لها فلا جرم يكونون في مقام الإنكار ويكتسبون الحرمان والسّلام على من اتّبع الهدى (3) والتزم متابعة المصطفى

(34) المكتوب الرّابع والثلاثون إلى نور محمّد التّناريّ في جواب عريضته الّتي كتبها لبيان توارد الأحوال

(1) المحبة: في اللغة: نقيض الكراهية والإسم منها الحب. انظر: ابن منظور: لسان العرب / حبب وصورة المحبة في البدايات: التلذذ بالعبادة والتسلي عن فوات الأشتات المتفرقة.

وأصلها في الأحوال: الإبتهاج بشهود الحق وتعلق القلب به معرضا عن الخلق، معتكفا على المحبوب بجوامع هواه غير ملتفت إلى ما سواه.

وفي الأبواب: جمعية الباطن بالسلو عما سوى المحبوب والإخبات إلى جنابه مع الإعراض عما سواه من كل مرغوب. وفي المعاملات: شغل القلب بالحبيب والفراغ عن كل حميم وقريب. وفي الأخلاق: محبة الخصال المقربة منه وتجنب الملكات المبعدة عنه. وفي الأصول: تجريد القصد المستوي إليه عن الموانع وتصميم العزم وتهجر القواطع. وفي الولايات: الإبتهاج بحسن الصفات والتنور بنور الذات عند التحقق بالأسماء بمحو الرسوم والسمات. وفي الحقائق: محبة تخطفه عن أودية تفرق الصفات إلى حضرة جمع الذات. انظر: الكاشاني: معجم اصطلاحات الصوفية: 307 308.

(3) طه: 47

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت