قال الله تبارك وتعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (1) الآية مدح الله سبحانه في هذه الآية أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بكمال رحمة بعضهم لبعض الّتي كانوا عليها فإنّ الرّحيم الذي هو واحد رحماء متضمّن للمبالغة في الرّحمة وحيث انّ للصّفة المشبّهة دلالة على الاستمرار أيضا ينبغي أن يكون رحمة بعضهم بعضا على صفة الدوام والاستمرار سواء كان في حضوره صلّى الله عليه وسلّم أو بعد ارتحاله وكلّ ما هو مناف لرحمة بعضهم بعضا ينبغي أن يكون مسلوبا عنهم على الدوام ويكون احتمال البغض والحقد والحسد وعداوة بعضهم لبعض منتفيا عنهم على سبيل الاستمرار فإذا كان جميع الصّحابة الكرام متّصفين بهذه الصّفة المرضيّة كما هو مقتضى كلمة"والذين"الّتي هي من صيغ العموم والاستغراق ماذا نقول من أكابر الصّحابة فإنّ هذه الصّفة تكون فيهم أتمّ وأكمل وأوفى ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم"أرحم أمّتي بأمّتي أبو بكر». وقال عليه الصّلاة والسّلام في شأن الفاروق رضي الله عنه"لو كان بعدي نبيّ لكان عمر"يعني أنّ لوازم النّبوّة وكمالاتها كلّها حاصلة في عمر ولكن لمّا ختم منصب النّبوّة بخاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام لم يشرّف بدولة منصب النّبوّة وأحد لوازم النّبوّة كمال الرّحمة والشّفقة على الخلق وأيضا إنّ الرّذائل الّتي تنافي الشّفقة والرّحمة ومن ذمايم الاخلاق من الحسد والبغض والحقد والعداوة كيف تتصوّر من قوم تشرّفوا بشرف صحبة خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات فإنّهم أفضل هذه الامّة الّتي هي خير الامم وأسبق أهل هذه الملّة الّتي هي ناسخة لجميع الملل لانّ قرنهم كان خير القرون وصاحبهم كان أفضل الانبياء والمرسلين فلو كانوا موصوفين بهذه الصّفات الرّديّة الّتي على أحقر هذه الامّة المرحومة عار منها كيف يكونون أفضل هذه الامّة وبأيّ وجه تكون هذه الامّة خير الامم وأيّ مزيّة وأيّ فضيلة تكون لاسبقيّة الإيمان وأوّليّة إنفاق الاموال وبذل النّفس وأيّ تأثير يكون لخيريّة القرن وأيّ أثر يترتّب على فضيلة صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والذين يكونون في صحبة أولياء هذه الامّة ينجون من هذه الرّذائل فكيف تتوهّم هذه الذّمائم في حقّ جماعة صرفوا أعمارهم في صحبة أفضل الرّسل عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات وبذلوا أموالهم وأنفسهم لتأييد دينه ونصرة ملّته وإعلاء كلمته الّا إذا سقط عياذا بالله سبحانه عظمة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وجلالته عن النّظر وتوهّم أنّ صحبته صلّى"
(1) الآية: 29 من سورة الفتح.