والرّوح من مرضها تزعم ألمها لذّة وتظنّ لذّتها ألما ومثلها مثل الصّفراويّ حيث يجد الحلو بواسطة علّة الصّفراء مرّا، فالفكر في إزالة هذا المرض لازم للعقلاء حتّى يغشاهم الفرح والسّرور في الآلام والمصائب الجسمانيّتين
(شعر) :
من أجل هذا العيش والمعيشة ... لا بدّ من شقّ المرائر يا فتى
فإن لوحظ ملاحظة جيّدة لتبيّن أنّه لو لم يكن الألم والمصيبة والمرض في الدّنيا لما تساوى بشعيرة فإنّ الوقائع والحوادث هي الّتي تزيل ظلمتها، ومرارة الحوادث مثل مرارة الدّواء النّافع المزيل للمرض.
وكان محسوسا للفقير أنّ كثيرا من النّاس يهيّئون الطّعام لدعوة عامّة ولا يقدرون أن يصحّحوا النّيّة وأن يخلّصوها عن شائبة الرّياء والسّمعة، فيشرع في ذلك الأثناء طائفة من الحاضرين في ذلك المجمع والآكلين من ذلك الطّعام في ذمّ صاحب الطّعام ومنقصته ومنقصة طعامه، فيحصل لصاحب الطّعام انكسار القلب من هذه الجهة، وبهذا الإنكسار ترتفع ظلمة الطّعام الّتي طرأت عليه من عدم خلوص النّيّة، ويقع في معرض القبول.
فإن لم يكن شكوى هؤلاء الجماعة وذمّهم ولم يحصل لصاحب الطّعام انكسار القلب بسببه لكان الطّعام مملوءا بالظّلمة والكدورة، فكيف المساغ لإحتمال القبول في هذه الصّورة. فكان مدار الأمر إذا على الإنكسار والعجز والإفتقار. والأمر مشكل على أمثالنا أرباب التّربية وطالبي العيش الحسن والتّنعّم وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ (1) نصّ قاطع.
والعبادة عبارة عن التّذلّل والإنكسار فالمقصود من خلق الإنسان هو التّذلّل خصوصا المسلمين والمتدّينين، فإنّ الدّنيا سجنهم وطلب العيش الحسن في السّجن بعيد من طور العقل، فلا بدّ إذا للإنسان من تحمّل المشقّة والمحنة، ولا مندوحة له في ذلك التّحمّل.
أكرمنا الله سبحانه بالإستقامة على هذا المعنى بحرمة جدّكم الأمجد عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أيمنها.
(1) الآية: 56 من سورة الذاريات.