بعد الحمد والصّلوات وتبليغ الدّعوات أنهيكم أنّ جماعة من المشائخ الكرام قدّس الله تعالى أسرارهم اختاروا طريق المحاسبة وكانوا في كلّ ليلة يطالعون قبيل النّوم دفتر أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم اليوميّة ويدركون حقيقة كلّ منها بالتّفصيل ويتداركون تقصيراتهم وسيّئاتهم بالتّوبة والإستغفار والإلتجاء والتّضرّع إلى العزيز الغفّار ويشتغلون بحمد الله تعالى وشكره على أعمالهم الصّالحة ويرجعون بها إلى توفيقه تعالى. كان صاحب الفتوحات المكّيّة قدّس سرّه من المحاسبين وقال: أنا زدت في محاسبتي على مشائخ اخر حتّى حاسبت خطراتي ونيّاتي وللتّسبيح والتّحميد والتّكبير (1) مائة مرّة قبيل النّوم على نهج ثبت عن المخبر الصّادق عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام حكم المحاسبة عند الفقير وكان المسبّح يعتذر من تقصيراته وسيّئاته بتكرار كلمة التّسبيح الّتي هي مفتاح التّوبة وينزّه جانب قدسه تعالى ويقدّسه عمّا عاد إليه من ارتكابه السّيّئات فإنّ مرتكب السّيّئات إذا كان عظمة جانب قدس الآمر والنّاهي وكبريائه ملحوظة ومنظورة إليه ما كان يبادر إلى ترك امتثال أمره تعالى ولمّا بادر علم أنّه لا اعتداد ولا اعتبار عنده لامره ونهيه تعالى أعاذنا الله سبحانه من ذلك فبتكرار كلمة التّنزيه يتلافي هذا التّقصير (ينبغي) أن يعلم أنّ في الإستغفار طلب ستر الذّنب وفي تكرار كلمة التّنزيه طلب استيصال الذّنب أين هذا من ذاك سبحان الله كلمة عجيبة ألفاظها في غاية القلّة ومعانيها ومنافعها في غاية الكثرة وبتكرار كلمة التّحميد يؤدّى شكر نعمة توفيقه وسائر نعمه تعالى وتكرار كلمة التّكبير إشارة إلى أنّ جناب قدسه تعالى أعلى وأجلّ من أن يكون هذا الإعتذار والشّكر لائقا بحضرته سبحانه فإنّ اعتذار العبد واستغفاره محتاج إلى اعتذارات واستغفارات كثيرة وحمده راجع إليه سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين.
المحاسبون يكتفون بالإستغفار والشّكر وبهذه الكلمات القدسيّة يحصل امر الاستغفار ويؤدّى الشّكر ويتيسّر الايماء إلى نقص الاستغفار والشّكر ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه الطّاهرين وسلّم وبارك عليه وعليهم أجمعين.
بعد الحمد والصّلوات ليعلم أنّ جميع ما في الإنسان من الكمالات مستفادة من مرتبة الوجوب تعالت وتقدّست فإن علما فمستفاد من علم تلك المرتبة وإن قدرة فمأخوذة من قدرة تلك المرتبة وعلى
(1) اخرج الترمذي عن ابن عم رضى الله عنهما خلتان لا يحصيهما الحديث وفيه واذا اخذت مضجعك تسبحه وتكبره وتحمده مائة واخرج مسلم عن على كرم الله وجهه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ولفاطمة رضى الله عنهما اذا آويتما إلى فراشكما او اذا اخذتما مضاجعكما فكبرا ثلاثا وثلاثين الحديث منه (القزاني رحمة الله عليه)