قد ابتهجت بورود مكتوبكم المرسل إلى هذا المخلص على وجه الكرم، وتشرّفت بمطالعته، فما أعظم نعمة تذكّر الأحرار المأسورين وما أجلّ دولة اهتمام الواصلين بحال المهجورين، والمهجور العاجز لمّا لم يجد نفسه أهلا للوصال اختار الخمولة في زاوية الهجران بالضّرورة وهرب من القرب واطمئنّ بالبعد وسكن إلى الإنفصال عن الإتّصال ولمّا رأى أسرا في اختيار الحرّيّة اختار الأسر بالممنونيّة، (شعر) :
چون طمع خواهد ز من سلطان دين ... خاك بر فرق قناعت بعدا زين
(يعني) إذا ما أراد الطّمع منّي مالكي ... لقلت على رأس القناعة أحجار
وبماذا أصدّعكم بأزيد من ذلك بعبارات غير مرتبطة وإشارات غير منتظمة. ثبّتنا الله تعالى وإيّاكم على متابعة سيّد المرسلين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها.
(29) المكتوب التّاسع والعشرون صدر إلى الشّيخ نظام الدّين التّانيسرىّ في التّرغيب في أداء الفرائض ورعاية السّنن والآداب وعدم المبالات في أداء النّافلة في جنب الفرائض والمنع عن أداء العشاء في النّصف الأخير من اللّيل والمنع عن تجويز شرب الماء المستعمل في الوضوء والمنع عن تجويز سجدة المريدين يعني لشيخهم أو غيره
عصمنا الله سبحانه وإيّاكم عن التّعصّب والتّعسّف ونجّانا وإيّاكم عن التّلهّف والتّأسّف بحرمة سيّد البشر المنفيّ عنه زيغ البصر عليه وعلى آله من الصّلوات أتمّها ومن التّسليمات أكملها. (واعلم) أنّ مقرّبات الأعمال إمّا فرائض وإمّا نوافل فالنّوافل لا اعتبار لها في جنب الفرائض أصلا، فإنّ أداء فرض من الفرائض في وقت من الأوقات أفضل من أداء النّوافل ألف سنة وإن ادّيت بنيّة خالصة أيّ نفل كان من الصّلاة والصّوم والذّكر والفكر وأمثال ذلك بل أقول: إنّ رعاية سنّة من السّنن وأدب من الآداب حين أداء الفرائض لها ذلك الحكم أيضا (1) . نقل أنّ سيّدنا عمر رضي الله عنه صلّى يوما صلاة الصّبح بجماعة ثمّ نظر إلى القوم وتفقّدهم فلم ير فيهم شخصا من أصحابه فقال: ألم يحضر الفلان الجماعة؟ فقيل: إنّه يسهر أكثر اللّيل فيحتمل أن يكون قد غلبه النّوم في هذا الوقت. فقال: «لو نام تمام اللّيل وصلّى صلاة الصّبح مع الجماعة لكان أولى وأفضل» (2) . فرعاية الأولى والإجتناب عن المكروه وإن كان تنزيهيّا أولى من الذّكر والفكر والمراقبة والتّوجّه بمراتب كثيرة فكيف إذا كان المكروه تحريميّا نعم إن جمع هذه الأمور مع هذه الرّعاية والإجتناب فقد فاز فوزا عظيما وبدونه خرط القتاد. فكما أنّ تصدّق دانق مثلا في حساب الزّكاة أفضل من تصدّق مقدار جبال عظام من ذهب بطريق النّفل بمراتب، كذلك رعاية أدب في
(1) يعني رعاية سنة أو أدب وقت أداء الفرائض تزيد وتفضل على أداء النفل بكذا مرة. (محمد مراد القزاني رحمة الله عليه)
(2) المسئول عنه سليمان ابن أبي حثمة والحديث رواه مالك في الموطأ. (محمد مراد القزاني رحمة الله عليه)