فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 1087

تصدّق ذلك الدّانق كان يعطيه إلى فقير مستحقّ أفضل منه أيضا بمراتب، فتأخير صلاة العشاء إلى النّصف الأخير من اللّيل وجعل ذلك التّأخير وسيلة إلى قيام اللّيل مستنكر جدّا; فإنّ أداء العشاء في ذلك الوقت مكروه عند علماء الحنفيّة رضي الله عنهم والظّاهر أنّهم أرادوا بهذه الكراهة الكراهة التّحريميّة فإنّهم أباحوا أداء العشاء إلى نصف اللّيل وبعد نصف اللّيل قالوا بكراهته والمكروه المقابل للمباح مكروه تحريميّ.

وعند الشّافعيّة لا يجوز في ذلك الوقت أداء العشاء رأسا. فارتكاب هذا الأمر بواسطة قيام اللّيل وحصول الأذواق والجمعيّة في ذلك الوقت مستكره جدّا، ويكفي لهذا الغرض تأخير الوتر أيضا وذلك التّأخير مستحبّ فيؤدّي الوتر في وقت مستحبّ ويتيسّر الغرض من قيام اللّيل والسّهر، فينبغي ترك هذا العمل وقضاء الصّلوات الفائتة فإنّ الإمام الأعظم أبا حنيفة (1) الكوفيّ رضي الله تعالى عنه قضى صلاة أربعين سنة بواسطة ترك أدب من آداب الوضوء. (وأيضا) لا يجوز شرب الماء المستعمل لإزالة الحدث أو بنيّة القربة. فإنّ ذلك الماء نجس مغلّظ عند الإمام الأعظم ومنع الفقهاء من شرب ذلك الماء وكرهوه. نعم قالوا: «إنّ شرب بقيّة الوضوء شفاء"فإن طلب شخص ذلك بالإعتقاد الصّحيح فأعط من ذلك وقد وقع للفقير مثل هذا الإبتلاء في دهلى في هذه النّوبة بسبب أنّ بعض الأصحاب قد رأى في الواقعة أنّه ينبغي أن يشرب الماء المستعمل في وضوء هذا الفقير وإلّا يلحقه ضرر عظيم، وكلّما دفعته لم ينفع ولم يمتنع، فراجعت الكتب الفقهيّة فوجدت مخلصا من ذلك حيث قالوا: «إنّ المتوضّئ لو لم ينو القربة بعد تثليث الغسل لا يكون الماء مستعملا في المرتبة الرّابعة"فكنت أعطيه ما أغسل به في المرتبة الرّابعة بلا نيّة القربة ليشربه تجويزا له بهذه الحيلة. (وأيضا) قد نقل رجل معتمد أنّ مريدي بعض خلفائكم يسجدون له ولا يكتفون بتقبيل الأرض. وشناعة هذا الفعل أظهر من الشّمس فامنعوه من ذلك بالتّأكيد، فإنّ الإجتناب. من أمثال هذا الفعل مطلوب من كلّ أحد خصوصا ممّن تصدّى لإقتداء الخلق به فإنّ الإجتناب له من أمثال هذا الفعل من أشدّ الضّروريّات لأنّ المقلّدين يقتدون به في أعماله فيقعون في بلاء وابتلاء وأيضا إنّ علوم هذه الطّائفة علوم الأحوال والأحوال مواريث الأعمال فيكون الميراث من علوم الأحوال لشخص قد صحّح الأعمال وقام بحقّها في كلّ حال. وتصحيح الأعمال إنّما يتيسّر إذا عرف الأعمال وعلم كيفيّة كلّ منها بلا إهمال، وذلك علم أحكام الشّرع من الصّلاة والصّوم وسائر الفرائض، وعلم المعاملات كالنّكاح والطّلاق والمبايعات، وعلم كلّ شيء أوجبه الحقّ سبحانه على المكلّف ودعاه إليه. وهذه العلوم اكتسابيّة لا بدّ من تعلّمها لكلّ أحد والعلم بين المجاهدتين إحداهما في طلبه قبل حصوله، وثانيتهما المجاهدة في

(1) هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي بالولاء الكوفي، إمام المذهب الحنفي، ولد سنة 80 هـ وتوفي سنة 150 هـ، أراده الخليفة المنصور على القضاء فامتنع ورعا فحبسه الخليفة إلى أن مات، له المسند في الحديث وغيره، وأفردت التصانيف في أخباره وفضائله منها: أخبار أبي حنيفة لابن عقدة، ولابن همام الشيباني، وكذلك للمرزباني، انظر: النجوم الزاهرة (2/ 12) ، البداية والنهاية (10/ 107) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت