صورة ولو في الخيال وإنّما هو صورة لبعض مكشوفات قلب السّالك من الوجوه والاعتبارات الّتي لها تعلّق بالذّات تعالت ولهذا إذا وصل العارف إلى الذّات تعالت لا يتخيّل له مثل هذا الخيال فليس لذاته تعالى صورة ولو في المثال والخيال وليس له تعالى مثال عندي كما لا مثل له سبحانه إذ الصّورة تستلزم الحدّ والنّهاية ولو في مرتبة من المراتب وهو سبحانه منزّه من التّحديد والتّقييد وجميع المراتب مخلوقة له تعالى فافهم الحمد لله الذي أعطانا سلطان الخيال وجعله مرآة لحصول صور المعاني والكمال ولو لا الخيال لما أدركنا درجات الاتّصال عن دركات الانفصال ولما علمنا واردات الأحوال فإنّ لكلّ معنى وحال صورة فيه إن كوشفت يدرك به ذلك المعنى والحال فشأن اللّطائف السّبع السّير والسّلوك والانتقال من حال إلى حال وشأن الخيال إراءته درجات السّير والسّلوك الحاصلة للسّالك بصورها المرتسمة فيه وإراءة مزيد الرّغبة إلى الفوق وأيضا بإراءته يحصل السّير على بصيرة ويتيسّر السّلوك على معرفة وبسلطانه يخرج السّالك عن الجهل ويكون من أهل العلم فلله سبحانه درّه والسّلام على من اتّبع الهدى (1)
قال الشّيخ رضي الله عنه في الباب الثاني من كتابه العوارف في بيان الحديث المرفوع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما نزل من القرآن آية إلّا ولها ظهر وبطن ولكلّ حرف حدّ ولكلّ حدّ مطلع ويخالج سرّي أن يكون المطلع ليس بالوقوف بصفاء الفهم على دقيق المعنى وغامض السّرّ في الآية ولكنّ المطلع أن يطّلع عند كلّ آية على شهود المتكلّم بها؛ لأنّها مستودع وصف من أوصافه ونعت من نعوته فتجدّد له التّجلّيات بتلاوة الآيات وسماعها وتصير مرايا منبئة عن عظيم الجلال إلى آخر ما قال في تأييد هذا التّوجيه وشرحه ويخطر ببالي بكرم الله المتعالي أنّ الظّهر نظم القرآن البالغ إلى حدّ الإعجاز والبطن تفسيره وتأويله على اختلاف صفاء الفهم على دقيق المعاني وغامض السّرّ والحدّ نهاية مراتب الكلام وهو شهود المتكلّم بها وهو التّجلّي النّعتيّ المنبئ عن عظيم الجلال والمطلع ما هو فوق ذلك التّجلّي النّعتيّ وهو التّجلّي الذّاتيّ المعرّى عن النّسب والاعتبارات أثبت لحدّ الكلام ونهايته مطلعا فيكون المطلع وراء الكلام ووراء نهايته والكلام صفته تعالى وشهود المتكلّم في مرآة تلك الصّفة تجلّى لتلك الصّفة ونهاية لمراتب كمالها والاطّلاع على وراء تلك التّجلّي يكون بالتّرقّي منه إلى التّجلّي الذّاتيّ لا محالة فالوصول إلى الذّات ههنا يكون بتوسّط صفة الكلام وبتوسّل تلاوة النّظم القرآنيّ الدالّ على تلك الصّفة فلا بدّ من الخطوتين خطوة من النّظر الدالّ إلى المدلول الذي هو الصّفة والخطوة الثانية من الصّفة إلى الموصوف قال العارف قدّس سرّه: خطوتان وقد وصلت وما ذكر الشّيخ قدّس سرّه إلّا الخطوة الاولى وأتمّ بها هذا
(1) الآية: 48 من سورة طه.