قرب النّبوّة لا حاجة في زوال التّعلّق بالأشياء إلى نسيان الأشياء أصلا فإنّ في قرب النّبوّة لا يبقى التّعلّق بالأصل الّذي هو حسن وجميل في حدّ ذاته اسما ولا رسما عن التّعلّق بالأشياء الّتي هي قبيحة لا حسن فيها في نفسها سواء نسيت الأشياء أو لا فإنّ صفة الذّمّ إنّما عرضت للعلم بالأشياء بواسطة قبح التّعلّق بها لكونه مستلزما للإعراض عن جناب قدسه تعالى فإذا زال التّعلّق بالأشياء زالت صفة الذّم عن العلم بها فلم يبق مذموما وكيف يكون العلم بالأشياء مذموما فإنّ الأشياء كلّها معلومات الحقّ جلّ سلطانه وعلمه بها من صفاته الكاملة.
فإن قيل: إذا لم يكن العلم بما دون الحقّ جلّ وعلا زائلا فكيف يجتمع العلم بالحقّ تعالى مع العلم بما سواه سبحانه في وقت واحد فلا مندوحة إذا من نسيان ما سواه تعالى؟
قلت: انّ العلم المتعلّق بالأشياء من قبيل العلم الحصوليّ والعلم المتعلّق بحضرة الحقّ سبحانه وتعالى مشابه بالعلم الحضوريّ فكلا العلمين يجتمعان في وقت واحد ولا يلزم منه محذور أصلا وإنّما يلزم المحذور إذا كان كلا العلمين حصوليّين. (وإنّما) قلنا من قبيل العلم الحصوليّ ومشابه بالعلم الحضوريّ فإنّه ليس هناك حقيقة الحصول ولا مجال للحضور وعلمه تعالى المتعلّق بالأشياء ليس حصوليّا فإنّه لا حلول للحوادث في ذاته تعالى وصفاته ولا حصول وعلم مثل هذا العارف ظلّ من ذلك العلم والعلم المتعلّق بحضرة الحقّ سبحانه لا يمكن أن يقال إنّه حضوريّ فإنّه تعالى أقرب إلى المدركة من نفس المدركة أيضا والعلم الحضوريّ بالنّسبة إلى ذلك العلم كالعلم الحصوليّ بالنّسبة إلى العلم الحضوريّ وهذه المعرفة وراء طور العقل والفكر من لم يذق لم يدر فتقرّر أنّ العلم بالأشياء ليس بمناف للعلم بالحقّ فلا يكون نسيان الأشياء لازما أصلا بخلاف طريق الولاية فإنّ زوال علاقة الأشياء هناك غير متصوّر بدون نسيان الأشياء فإنّ في الولاية تعلّقا بالظّلال وليس في ذلك التّعلّق قدرة إزالة التّعلّق قدرة إزالةالتّعلّق بالأشياء مع وجود العلم بها فلا بدّ فيها أوّلا من نسيان الأشياء حتّى تزول التّعلّقات بها وهذه معرفة مخصوصة بهذا الدّرويش لم يتكلّم بها أحد، الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربّنا بالحقّ.
بسم الله الرّحمن الرّحيم بعد الحمد والصّلاة ينبغي أن يعلم أنّ ما يجده العابد وقت العبادة من الحسن والكمال في عبادته كلّ ذلك راجع إلى توفيق الله جلّ سلطانه ومن حسن تربيته وإحسانه تعالى وما يجده من النّقصان والقصور في العبادة كلّ ذلك عائد إلى نفس العابد ناش من خبثها الجبليّ ولا شيء