نُورَنا واِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وآله وصحبه أجمعين وبارك على جميع الانبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين أجمعين.
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد وصلت الصّحيفة الشّريفة من أخينا الشّيخ حسن أحسن الله حاله ولمّا كانت فيها رائحة من التّشرّع والإستقامة أورثت الفرح والمسرّة وكتبتم أنّ السّلوك الذي هو مشهور ومعتقد للسّالكين بحسب فهمنا هو أنّه ينبغي للمبتدئ أن يشتغل بالذّكر إلى أن جرى القلب بالذّكر ثمّ إلى أن يتوقّف عن الذّكر ويكون محلّا للإلهامات والتّجلّيات وأن يصل السّالك إلى مقام الفناء الذي هو أوّل قدم في الولاية وقالوا: إنّ الفناء هو أن يزول عن نظر السّالك وعلمه ما هو مسمّى بالغير ولا يبقى في نظره وعلمه غير الواجب تعالى وتقدّس وقيل لهذه الحالة شهودا ومشاهدة وغيرهما.
والمقصود أنّه يرى الحقّ تعالى بزعمه ولا يرى المسمّى بالغير ويسمّون رأي الإثنين مشرك الطّريقة وكتبتم أنّ هذه المعارف وأمثالها تزعزع الفقير عن محلّه فإنّه لو كان مقصودهم أنّه يرى الحقّ جلّ وعلا في الدنيا بالبصر أو بالبصيرة فإن كان لهم شعور بهذا الشّهود والرّؤية فهم أيضا مشركو الطّريقة وإن لم يكن لهم شعور بهذا المعنى فمن أيّ شيء يخبرون ومن يخبر (وكتبتم) أنّ كلّ ما يرونه بكلّ وجه من الوجوه سواء كان تجلّيا صوريّا أو معنويّا أو نوريّا أو غير ذلك ويعتقدون ذلك المرئىّ ذات الحقّ جلّ وعلا من حيث هي ويعتقدون ما هو المسمّى بالغير ظهوره تعالى عند هذا الفقير الذي لا حاصل له بعيد عن المعاملة وخلاف نصّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (2) وآية لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ (3) شاهدة لهذا المعنى فهذا القوم ماذا يرون وماذا يدركون حيث يقولون: لا نرى غير الحقّ جلّ وعلا ولا ندري وعبّروا عنها بالشّهود والمشاهدة وهذه الافكار في تدبير أنفسهم وتدبير الاهل والعيال هل هي موسومة بالغير أو لا؟ (اعلم) وتنبّه أنّ كلّ ذلك النّفي والإعتراضات الطّويلة الغير الملائمة على مشائخ الطّريقة قدّس الله تعالى أسرارهم العليّة منشؤها عدم الإطّلاع على مراد هؤلاء الاكابر. والتّوحيد الشّهوديّ الذي هو رؤية الواحد ومربوط بنسيان السّوى من ضروريّات طريقة هؤلاء الكبراء وما لم يحصل ذلك لا يتيسّر الخلاص عن
(1) التحريم: 8
(2) الشورى: 11
(3) الأنعام: 103