وآخرهما وذلك لئلّا يتوهّم أحد أنّ السّجود لمّا كان نهاية الإنحطاط وغاية الإنخفاض وكمال التّذلّل والإنكسار قد أدّي فيه حقّ العبادة ولاجل دفع هذا التّوهّم أيضا اختير في تسبيح السّجود لفظ: «أعلى"وسنّ تكرار التّكبير، ولمّا كانت الصّلاة معراج المؤمن شرع في آخرها قراءة كلمات شرّف بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة المعراج فينبغي للمصلّى أن يجعل صلاته معراجه، وأن يطلب فيها غاية القرب قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: «أقرب ما يكون العبد من الرّبّ في الصّلاة» . ولمّا كان المصلّي مناجي ربّه ومشاهد عظمته وجلاله حقّ أن يظهر فيه رعب وهيبة وقت أداء الصّلاة فلأجل تسليته شرع ختم الصّلاة بالتّسليمتين وما ورد عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من التّسبيح والتّحميد والتّكبير والتّهليل مائة مرّة بعد أداء الصّلاة الفرض سرّه في علم الفقير أن يتلافى بالتّسبيح والتّكبير ما وقع في أداء الصّلاة من القصور والتّقصير، والإعتراف بعدم لياقة تلك العبادة وعدم تماميّتها، وحيث كان أداء العبادة ميسّرا بتوفيق الله تعالى لزم أداء شكر تلك النّعمة بالتّحميد وأن لا يرى مستحقّ العبادة غيره سبحانه وتعالى، فإذا كان أداء الصّلاة مقرونا بالشّرائط والآداب وحصل بعد ذلك تلافي التّقصيرات وشكر نعمة التّوفيق ونفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى من صميم القلب بهذه الكلمات الطّيّبة فالمرجوّ أن تكون هذه الصّلاة لائقة بقبوله تبارك وتعالى وأن يكون صاحبها مصلّيا مفلحا، اللهمّ اجعلني من المصلّين المفلحين بحرمة سيّد المرسلين عليه وعليهم وعلى آله الصّلوات والتّسليمات."
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى اعلم أرشدك الله تعالى: أن تماميّة الصّلاة وكمالها عند الفقير عبارة عن إتيان فرائضها وواجباتها وسنتها ومستحبّاتها الّتي كلّها مبيّنة في الكتب الفقهيّة بالتّفصيل، وليس وراء هذه الامور الأربعة أمر آخر له مدخل في تماميّة الصّلاة فإنّ الخشوع في الصّلاة مندرج أيضا في هذه الأربعة، وخضوع القلب أيضا منوط بها. واكتفى جماعة بعلم هذه الامور واختاروا المساهلة والمداهنة في العمل بها فلا جرم قلّ نصيبهم من كمالات الصّلاة واهتمّ جماعة بحضور القلب مع الحقّ سبحانه وقلّ التفاتهم إلى آداب أعمال الجوارح، واقتصروا على الفرائض والسّنن، وهذه الجماعة أيضا لم يتنبّهوا على حقيقة الصّلاة ولم يعرفوها، وطلبوا كمال الصّلاة من غيرها