اعلم أنّ الآلام والمصائب وإن كانت مرّا في الظّاهر ومؤلمة للجسم ولكنّها حلو في الباطن ومورّثة للذّة الرّوح وذلك لأنّ الرّوح والجسم كأنّهما وقعا على طرفي النّقيض فألم أحدهما يستلزم لذّة الآخر فالّذي لا يقدر أن يميّز بين هذين النّقيضين ولوازمهما خارج عن البحث ولا قابليّة فيه أولئك كالأنعام بل هم أضلّ، (شعر) :
من لم يكن ذا خبرة عن نفسه ... هل يقدر الاخبار عن هذا وذا
ومن تنزّلت روحه واستقرّت في مرتبة الجسم وكانت لطائفه الأمريّة تابعة للطائفه الخلقيّة من أن يعرف سرّ هذا المعمّى وما لم ترجع الرّوح إلى مقرّها الأصليّة قهقرى ولم يميّز الأمر من الخلق لا ينجلي الحجاب عن جمال هذه المعرفة وحصول هذه الدّولة مربوط بالموت قبل حلول الأجل المسمّى ووقوعه الّذي عبّر عنه مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم بالفناء، (شعر) :
وكن أرضا لينبت فيك ورد ... فإنّ الورد منبته التّراب
ومن لم يمت قبل موته ينبغي تعزيته لمصيبته وقد صار خبر وفات والدك المرحوم الّذي كان مشتهرا بالخير والصّلاح ومراعيا لشيمة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر جدّا موجبا لحزن المسلمين ومستلزما لغمّهم إنّا لله وإنّا إليه راجعون فينبغي للولد الأرشد أن يلزم شيمة الصّبر وأن يمدّ الأموات ويعاونهم بالصّدقة والإستغفار والدّعوات فإنّ الموتى أشدّ احتياجا إلى امداد الأحياء وقد ورد في الحديث النّبويّ عليه الصّلاة والسّلام ما الميّت الّا كالغريق المتغوّث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أمّ أو أخ أو صديق فإذا لحقته كان أحبّ إليه من الدّنيا وما فيها وإنّ الله ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال من الرّحمة وإنّ هديّة الأحياء إلى الأموات الاستغفار وبقيّة النّصح ملازمة الذّكر والمداومة على الفكر فإنّ الفرصة قليلة جدّا ينبغي أن تصرفها إلى أهمّ المهامّ والسّلام.
(160) المكتوب السّتّون والمائة إلى أقلّ عبيده أعني يار محمّد الجديد البدخشيّ الطّالقانيّ في بيان أن مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم ثلاثة طوائف مع شرح أحوال كلّ منها كمالا ونقصانا
(اعلم) انّ مشائخ الطّريقة قدّس الله أسرارهم ثلاثة طوائف فالطّائفة الاولى قائلون بأنّ العالم موجود في الخارج بإيجاد الحقّ سبحانه وكلّما فيه من أوصاف الكمال والنّقصان فهو بإيجاد الحقّ سبحانه وتعالى ولا يعتقدون أنفسهم شيئا سوى شبح بل يعتقدون أنّ الشّبحيّة أيضا منه سبحانه قد غرقوا في بحار العدم