قد كنت أوقاتا مشغولا بصلاة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بأنواعها وأقسامها ووجدتها تترتّب عليها نتائج وثمرات عاجلة واهتديت بها لدقائق الولاية الخاصّة المحمّديّة على صاحبها الصّلاة والسّلام والتّحيّة وأسرارها ولمّا مضت مدّة على هذا العمل وقع الفتور في هذا الإشتغال اتّفاقا وزال توفيق المواظبة عليه ووقع الإقتصار على صلوات مؤقّتة واستحسن لي في هذا الوقت الإشتغال بالتّسبيح والتّقديس والتّهليل بدل الصّلوات فقلت ولعلّ في هذا الامر حكمة انظر ماذا يظهر فعلم أخيرا بعناية الله تعالى أنّ الذّكر في هذا الوقت أفضل من الصّلوات في حقّ من يصلّي وفي حقّ من يصلّى عليه وذلك من وجهين احدهما ما ورد في الحديث القدسىّ"من شغله ذكرى عن مسئلتى اعطيته افضل ما اعطى السّائلين"والوجه الثاني هو أنّ الذّكر مأخوذ من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فكما أنّ ثواب ذلك الذّكر يصل إلى الذّاكر يصل إليه صلّى الله عليه وسلّم أيضا مثل ذلك الثواب قال عليه الصّلاة والسّلام «من سنّ سنّة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها» (1) . وكذلك كلّ عمل صالح حاصل من الامّة كما أنّ أجره يصل إلى العامل يصل أيضا مقدار ذلك الاجر إلى النّبيّ الذي هو واضع ذلك العمل وشارعه من غير أن ينقص من أجر العامل شيء ولا يلزم أن يعمل العامل عمله بنيّة النّبيّ فإنّه عطاء الحقّ جلّ سلطانه لا صنع للعامل فيه نعم إن وجدت النّيّة للنّبىّ أيضا من العامل يكون باعثا على ازدياد أجر العامل وهذه الزّيادة أيضا تعود إلى النّبيّ ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (2) ولا شكّ أنّ المقصود الاصليّ من الذّكر هو تذكّر الحقّ سبحانه وطلب الاجر طفيلىّ له وفي الصّلاة المقصود الاصليّ هو طلب الحاجة شتّان ما بينهما فالفيوض الّتي تصل إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من طريق الذّكر تكون زائدة بأضعاف على البركات الّتي تصل إليه صلّى الله عليه وسلّم من طريق الصّلوات (ينبغي أن يعلم) أنّ هذه الرّتبة ليست هي لكلّ ذكر بل هي مخصوصة بالذّكر الذي حقيق بالقبول والذّكر الذي ليس كذلك فللصّلاة مزيّة عليه ووصول البركات منها حينئذ اكثر توقّعا ولكنّ الذّكر الذي أخذه الطّالب عن شيخ
(1) صحيح: أخرجه مسلم: ك: الزكاة. ب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة. ح 1017. سنن النسائي: ب: التحريض على الصدقة. وأحمد في المسند: أول مسند الكوفيين: حديث جرير بن عبد الله. والطبراني في الكبير: جرير بن عبد الله البجلي.
(2) الحديد: 21