أنّكم تخيّلتم الصّور لبّا والتّنزيه قشرا فإنّ دعوة العلماء ودلالتهم إلى التّنزيه ومشهود صاحب التّجلّي الصّوريّ ومطلوبه الصّور والاشكال ينبغي الإنصاف أيّهما متشبّث باللّبّ وأيّهما منخدع بالقشر وإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (1) رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (2) والسّلام أوّلا وآخرا.
عليكم بالاستقامة يا ملّا شمس قد سألتم أنّ شيخ المشايخ الشّيخ شرف الدين يحيى المنيريّ كتب في رسالته إرشاد السّالكين"إنّ السّالك ما لم يكفر لا يكون مسلما وما لم يقطع رأس أخيه لا يكون مسلما وما لم يتزوّج بأمّه لا يكون مسلما"فما المراد بهذه الكلمات (اعلم) أنّ المراد بالكفر كفر الطّريقة الذي هو عبارة عن مرتبة الجمع الذي هو موطن الاستتار ومقام عدم الامتياز بين حسن الإسلام وقبح الكفر بل كما يرى الإسلام مستحسنا يجد للكفر أيضا حسنا فيه ويجد كليهما مظهرا للاسم الهادي والاسم المضلّ وينال من كلّ منهما حظّا ويكون بهما مستلذّا وهذا هو ذلك الكفر الذي أخبر عنه حسين بن منصور الحلّاج وكان فيه ومات عليه وقال (شعر)
كفرت بدين الله والكفر واجب ... لديّ وعند المسلمين قبيح
والشّطحيّات مثل قول أنّا الحقّ وقول سبحاني وقول ليس في جبّتي سوى الله كلّها من اثمار شجرة الجمع الذي منشئوه استيلاء الحبّ وغلبة محبّة المحبوب الحقيقيّ لم يبق في نظر شهودهم غير المحبوب بل صار مختفيا ومستورا وهذا المقام مقام الجهل والحيرة أيضا ولكنّ جهل هذا المقام محمود وحيرته ممدوحة فإن وقع سير إلى أعلى من مقام الجمع بعناية الله سبحانه واجتمع العلم بالجهل واقترنت المعرفة بالحيرة وظهر الفرق والتّميّز وتبدّل السّكر بالصّحو فحينئذ يحصل الإسلام الحقيقيّ وتتيسّر حقيقة الإيمان وهذان الإسلام والإيمان محفوظان من الزّوال ومأمونان من طريان الكفر والاستبدال والمراد بما ورد في بعض الادعية المأثورة من قوله صلّى الله عليه وسلّم"اللهمّ إنّي أسالك إيمانا ليس بعده كفر"هو هذا الإيمان لانّه محفوظ عن الزّوال وقوله تعالى أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ الله لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ
(1) الآية: 24 من سورة سبأ.
(2) الآية: 10 من سورة الكهف.