فهرس الكتاب

الصفحة 850 من 1087

وكانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (1) وقال تعالى إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (2) والظّاهر أنّ هذه العبّارة إنّما أوردت بطريق الاستشهاد بتخيّل أنّها من القرآن وليس كذلك فإنّ بيان هذا المعنى في الكلام المجيد بعبارة أخرى كما مرّ (وكتبتم) أيضا أنّ الكثرة الوهميّة والتّعدّد الاعتباريّ قد تراكمت على وجه وقع أكثر العلماء في الغلط بتوهّم تعدّد الوجود وقنعوا من اللّبّ بالقشر (اعلم) أنّ الكثرة والتّعدّد وإن كانت وهميّة واعتباريّة ولكن لمّا صدرت وظهرت بصنع الله جلّ سلطانه صارت متقنة ومستحكمة وكانت المعاملة الدنيويّة والاخرويّة مربوطة بها والآثار الخارجيّة مترتّبة عليها وارتفاعها ممنوع وإن ارتفع الوهم والاعتبار فإنّ العذاب والثواب الدائمين الاخرويين الذين أخبر عنهما المخبر الصّادق منوطان بالكثرة مربوطان بالتّعدّد والحكم بارتفاع الكثرة والتّعدّد دخول في الالحاد والزّندقة أعاذنا الله سبحانه من ذلك فالصّوفيّة العليّة والعلماء الكرام كلّهم قائلون بثبوت هذه الكثرة واستمرار هذا التّعدّد ويرون المعاملة الاخرويّة الدائميّة مربوطة بها ولكن لمّا كان من شأن هذه الكثرة الارتفاع من شهود الصّوفيّة وقت العروج يجدونها وهميّة واعتباريّة وحيث انّها لا ترتفع في نفس الامر وإن كانت مرتفعة من الشّهود يقول العلماء إنّها موجودة فنزاع الفريقين صار راجعا إلى اللّفظ بعد الاتّفاق في المعنى كلّ من الفريقين حكم بمقياس وجدانه فالصّوفيّة اعتبروا الشّهود وحكموا بالوهميّة والاعتباريّة بملاحظة الارتفاع الشّهوديّ وقال العلماء بوجودها بملاحظة ثبوتها واستقرارها في نفس الامر ولكلّ وجهة وقد بيّن هذا الفقير هذا المعنى في مكتوباته ورسائله بالتّفصيل وأرجع نزاع الفريقين إلى اللّفظ فإن بقي خفاء ينبغي أن يراجع فيها. نظر العلماء قريب من الصّواب لانّه مطابق لنفس الامر ونظر الصّوفيّة باعتبار السّكر وغلبة الحال الا ترى أنّ النّجوم مختفية في النّهار وثابتة في نفس الامر وإن كانت مستورة عن الشّهود فالحكم بثبوت النّجوم أقرب إلى الصّواب من الحكم بعدمها بملاحظة عدم شهودها ومقصود العلماء من القول بوجود الكثرة إبقاء الشّريعة الّتي مبناها على التّعدّد وإجراء وعد صاحب الشّريعة ووعيده فإنّه لا يتصوّر بدون الكثرة والصّوفيّة أيضا معترفون بهذا المعنى وإن أطبقوه على الشّريعة بالتّكلّف وما قاله العلماء صادق بلا تكلّف ومطابق بلا تمحّل لا غبار فيه أصلا ولا كدورة وإنّهم لا يثبتون وجودا مستقلّا مستبدّا حتّى يكون فيه مجال للكلام ويكون شركة بالواجب تعالى وإنّما يثبتون وجودا ضعيفا مفاضا ومستعارا من الغير كيف يجوز تخطئة العلماء فإنّهم أكابر الدين ونسبة الغلط إليهم غلط محض ومحض الغلط ونحن العاجزون المتعوّقون أخذنا الدين والشّريعة من العلماء واستفدنا المذهب والملّة من بركاتهم فلو كان فيهم مجال للطّعن لارتفع الاعتماد عن الشّريعة والملّة ولهذا قالوا: الطّاعن في السّلف ضالّ ومبتدع وعدوّا طعنه من أسباب التّضليل والتّشكيك في الدين وحكموا ببطلانه (وكتبتم) أيضا أنّهم قنعوا من اللّبّ بالقشر يشبه

(1) الآية: 126 من سورة النساء.

(2) الآية: 54 من سورة فصلت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت