خارج لا من داخل حتّى تنافي العبوديّة (وبالجملة) أنّ كلّ فساد منشؤه النّفس الامّارة فهو مرض ذاتيّ وسمّ قاتل ومناف لمقام العبوديّة وكلّ فساد حصل من خارج ولو كان بالقاء الشّيطان فهو من الأمراض العارضيّة الزّائلة بأدنى العلاج قال الله تبارك وتعالى إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (1) وبلاؤنا إنّما هو أنفسنا وعدوّ أرواحنا مصاحبنا السّوء والعدوّ الخارجيّ يستولى علينا بمدده إيّاه ويزيلنا عن منزلتنا بإعانته إليه وأشدّ الاشياء جهالة هو النّفس الامّارة فإنّها عدوّ نفسها ومريدة بالسّوء إيّاها وهمّتها إهلاك نفسها ومتمنّاها معصية ربّها الذي هو مولاها ووليّ نعمها وإطاعة الشّيطان الذي هو عدوّها (ينبغي أن يعلم) أنّ التّمييز بين المرض الذّاتيّ والعرضيّ ومعرفة الفساد الداخليّ والخارجيّ في غاية التّعذّر وربّما يظنّ النّاقص نفسه كاملا بزعم أنّ مرضه عارضيّ لا ذاتيّ فيبقى في الخسارة الابديّة ومن هذا الخوف لم أجترئ في تحرير هذا السّرّ ولم أستحسن إظهار هذا المعنى وكنت في هذا الاشتباه مدّة سبعة عشر سنة ووجدت الفساد الذّاتيّ مختلطا بالفساد العارضيّ وفي هذا الوقت ميّز الحقّ سبحانه الحقّ من الباطل وأبان الفساد الذّاتيّ من الفساد العارضيّ لله سبحانه الحمد والمنّة على ذلك وعلى جميع نعمائه وأحد اسباب إظهار أمثال هذه الأسرار وحكمة من حكمه الإشفاق على قاصر النّظر لئلّا يظنّ الكامل ناقصا بوجود أمثال هذه التمنّيات والمرادات الخارجيّة فيه فيحرم من بركاته وكان سبب حرمان الكفّار من دولة تصديق الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام وجود أمثال هذه الصّفات فيهم فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا (2) وما قيل إنّ الحقّ سبحانه يجعل العارف بعد زوال المرادات والمقتضيات عنه صاحب إرادة واختيار فتفصيله يذكر ويحرّر بعناية الله تعالى في محلّ آخر وهذا الوقت لا يساعد ذلك والسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (3) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلوات وأكمل التّسليمات.
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وقع يوما في الخاطر أن أتصدّق عن أرواح بعض الاقارب الموتى فظهر في ذلك الاثناء أنّه قد حصل الفرح والسّرور لذلك الميّت المرحوم بمجرّد هذه النّيّة وظهر في النّظر فرحا ومسرورا ولمّا جاء وقت إعطاء تلك الصّدقة قصدت بها أوّلا روحانيّة خاتم الرّسل عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كما كان ذلك عادتي ثمّ روحانيّة ذلك الميّت فأحسست في ذلك الميّت
(1) الآية: 76 من سورة النساء.
(2) الآية: 6 من سورة التغابن.
(3) الآية: 48 من سورة طه.