فهرس الكتاب

الصفحة 844 من 1087

في ذاك الوقت غمّا وحزنا وظهر بالوحشة والكدورة فحصل لى تعجّب تامّ من مشاهدة هذا الحال لانّه لم يظهر وجه تكدّره ووحشته مع أنّه كان محسوسا أنّه قد حصل له من تلك الصّدقة بركات عظيمة ولم يظهر فيه أثر فرح وسرور وكذلك نذرت يوما مبلغا لروحانيّته صلّى الله عليه وسلّم وأدخلت في ذلك النّذر سائر الانبياء الكرام على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام فلم يعلم مرضاه صلّى الله عليه وسلّم في ذلك الامر وكذلك إذا أشركت سائر الانبياء نبيّنا عليهم الصّلاة والسّلام في الصّلوات في بعض الاوقات لا يظهر رضاه صلّى الله عليه وسلّم مع أنّه قد علم أنّه إذا تصدّقت عن روحانيّة واحد وأشركت فيها جميع المؤمنين يصل ثوابها إلى الكلّ من غير أن ينقص شيء من ثواب الشّخص المنويّ عنه إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ (1) فما يكون وجه التّكدّر وعدم الرّضاء في ذلك التّقدير وبقي هذا الإشكال مدّة فظهر آخر الامر بفضل الله سبحانه أنّ وجه التّكدّر والحزن هو أنّ الصّدقة إذا تصدّق بها عن الميّت بلا شركة يحمل ذلك الميّت تلك الصّدقة من جانبه إلى ملازمة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بطريق الهديّة ويأخذ عنه صلّى الله عليه وسلّم فيوضا وبركات بوساطتها بخلاف ما إذا قصد صاحب الصّدقة بصدقته النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإنّه لا نفع حينئذ للميّت سوى الثواب ففي صورة الشّركة إن قبلت الصّدقة فللميّت ثواب تلك الصّدقة وفي عدم الشّركة إن قبلت ثواب الصّدقة وبركات إتحاف تلك الصّدقة وفيوض إهدائها له صلّى الله عليه وسلّم وهذا المعنى كائن في كلّ صدقة يشرك فيها الميّت بالغير فإنّ في صورة الشّركة درجة واحدة من الثواب وفي صورة عدم الشّركة درجتان درجة الصّدقة ودرجة حملها من عنده إلى ذلك الغير وكذلك صار معلوما أنّ غريبا إذا حمل تحفة وهديّة إلى واحد من الاكابر الافضل أن يحملها إليه من غير شركة احد به ولو كان طفيليّا والمهديّ إليه يعطيها من عنده من شاء من إخوانه وغيرهم والآل والاصحاب الذين هم بمثابة عياله عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات فلو جعلهم داخلا في هديّته صلّى الله عليه وسلّم يكون ذلك مرضيّا ومقبولا نعم من المعروف أنّ من أهدى هديّات إلى واحد من الاعزّة وأشرك به فيها أقرانه يكون ذلك بعيدا من الادب والتماس رضا المهديّ إليه بخلاف ما إذا أهدى إلى خدمته بتبعيّته فإنّ ذلك يكون مرضيّا لانّ إعزاز خدمة شخص إعزاز ذلك الشّخص فعلم أنّ أكثر رضاء الموتى في إفراد الصّدقة لا في الإشراك ولكن إذا قصد التّصدّق عن ميّت ينبغي أن يهدى أوّلا شيء بنيّة روحانيّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على حدة ثمّ يتصدّق عن الميّت فإنّ حقوقه صلّى الله عليه وسلّم فوق حقوق سائر الخلق وأيضا إنّ في هذا التّقدير احتمال كون الصّدقة مقبولة ببركة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهذا الفقير إذا عجز عن تصحيح النّيّة في بعض الصّدقات عن الموتى لا يجد علاجا أفضل من أن أتصدّق بها بنيّته صلّى الله عليه وسلّم وأجعل ذلك الميّت طفيليّا له فإنّه يرجى أنّ تقبل ببركته صلّى الله عليه وسلّم وقد قال العلماء: إنّ الصّلاة على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مقبولة ولو صدرت رياء وسمعة وهي واصلة

(1) الآية: 32 من سورة النجم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت