الصّور والإخبار عمّا غاب من أحوال المخلوقات فعظّموهم واعتقدوا أنّهم أهل الله وخاصّته وأعرضوا عن كشف أهل الحقيقة واتّهموهم فيما يخبرون عن الله سبحانه وقالوا: لو كان هؤلاء أهل الحقّ كما يزعمون لأخبرونا عن أحوالنا وأحوال المخلوقات وإذا كانوا لا يقدرون على كشف أحوال المخلوقات فكيف يقدرون على كشف أمور أعلى من هذه وكذّبوهم بهذا القياس الفاسد وعميت عليهم الأنباء الصّحيحة ولم يعلموا أنّ الله تعالى قد حمى هؤلاء عن ملاحظة الخلق وخصّهم وشغلهم عمّا سواه حماية لهم وغيرة عليهم ولو كانوا ممّن يتعرّض لأحوال الخلق ما صلحوا للحقّ سبحانه وقد رأينا أهل الحقّ إذا التفتوا أدنى التفات إلى كشف الصّور أدركوا منها ما لا يقدر غيرهم على إدراكه بالفراسة الّتي يثبتها أهل المعرفة وهي الفراسة فيما يتعلّق بالحقّ سبحانه وما يقرب منه وأمّا فراسة أهل الصّفاء الخارجين المتعلّقين بالخلق فلا يتعلّق بجناب الحقّ سبحانه ولا ما يقرب منه ويشترك المسلمون والنّصارى واليهود وسائر الطّوائف فيها لأنّها ليست شريفة عند الله سبحانه فيختصّ بها أهله.
(294) المكتوب الرّابع والتّسعون والمائتان إلى المخدوم جامع العلوم الظّاهريّة والأسرار الباطنيّة مجد الدّين الخواجه محمّد معصوم سلّمه الله تعالى في بيان ما يتعلّق بصفات الحقّ سبحانه الثّمان وفي تحقيق مبادي تعيّنات الأنبياء عليهم السّلام ومبادي تعيّنات سائر الخلائق وما يتعلّق بذلك وفي الفرق بين تجلّيات الأنبياء والأولياء وشهودهم وتحقيق الوصل العريان لكمّل الأتباع مع وجود وساطة الأنبياء عليهم السّلام وفي تحقيق ألفاظ المحو والإضمحلال الواقعة في عبارة المشائخ قدّس الله أسرارهم وما يناسب ذلك
اعلم أنّ صفات واجب الوجود تعالى وتقدّس الثّمان الحقيقيّة الّتي أوّلها الحياة وآخرها التّكوين على ثلاثة أقسام قسم تعلّقه بالعالم أغلب وإضافته إلى الخلق أكثر كالتّكوين ومن ههنا أنكر جماعة من أهل السّنّة والجماعة وجودها وقالوا: إنّها من الصّفات الإضافيّة والحقّ أنّها من الصّفات الحقيقيّة الغالبة عليها الإضافة، وقسم آخر ما فيه الإضافة ولكنّها أقلّ بالنّسبة إلى القسم السّابق كالعلم والقدرة والإرادة والسّمع والبصر والكلام. والقسم الثّالث هو أعلى الأقسام الثّلاثة لا تعلّق له بالعالم بوجوه من الوجوه وليس فيه رائحة من الإضافة كالحياة وهذه الصّفة أجمع الصّفات وأصل الكلّ وأسبقها وأقرب إليها صفة العلم الّتي هي مبدأ تعيّن خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام وبقيّة الصّفات مبادي تعيّنات خلائق أخر ولمّا كان لكلّ صفة باعتبار تعلّقات متعدّدة جزئيّات فإنّ التّكوين مثلا له باعتبار تعلّقات شتّى جزئيّات وهي التّخليق والتّرزيق والإحياء والإماتة كانت تلك الجزئيّات مثل كلّيّاتها مبادئّ تعيّنات الخلائق وكلّ من كان مبدأ تعيّنه كلّيّا تكون أرباب تعيّنات مباديها جزئيّات ذلك الكلّي اتّباعا لذلك الشّخص