يكون فوق هؤلاء من لا يكون له شيء من هذا؛ لأنّ هذه كلّها تقوية اليقين ومن منح صرف اليقين لا حاجة له إلى شيء من هذا فكلّ هذه الكرامات دون ما ذكرناه من تجوهر الذّكر في القلب وجعل كثرة ظهور الخوارق دليلا على الأفضليّة كجعل كثرة فضائل عليّ كرّم الله وجهه ومناقبه دليلا على أفضليّته على الصّدّيق رضي الله عنه فإنّه لم يظهر منه هذا القدر من الفضائل والمناقب. اسمع أيّها الأخ: أنّ خوارق العادات على نوعين، النّوع الأوّل: العلوم والمعارف الإلهيّة الّتي تتعلّق بذات الواجب جلّ وعلا وصفاته وأفعاله وراء طور نظر العقل وخلاف المتعارف المعتاد وجعل الحقّ سبحانه عباده الخاصّة ممتازين بها والنّوع الثّاني: كشف صور المخلوقات والأخبار عن المغيّبات الّتي تتعلّق بالعالم والنّوع الأوّل مخصوص بأهل الحقّ وأرباب المعرفة والنّوع الثّاني شامل للمحقّ والمبطل فإنّه حاصل لأهل الإستدراج أيضا والنّوع الأوّل له شرافة واعتبار عند الحقّ جلّ وعلا لكونه مخصوصا بأوليائه وعدم مشاركة أعدائه فيه.
والنّوع الثّاني معتبر عند عوامّ الخلائق ومعزّز ومكرّم عند أنظارهم حتّى لو ظهر ذلك من أهل الإستدراج يكادون يعبدونه من جهلهم ويطيعونه وينقادون له فيما يأمرهم به من رطب ويابس وينهاهم بل المحجوبون لا يعدّون النّوع الأوّل من الخوارق. والكرامات والخوارق منحصرة عندهم في النّوع الثّاني والكرامات مخصوصة عندهم بكشف صور المخلوقات والأخبار عن المغيّبات ما أبعدهم عن العقل أيّ شرافة وأيّ كرامة في علم يتعلّق بأحوال المخلوقات حاضرة كانت أو غائبة بل الأليق والأنسب أن يبدّل مثل هذا العلم جهلا ليحصل نسيان المخلوقات وأحوالها. واللّائق بالشّرافة والكرامة هو معرفة الحقّ تعالى وتقدّس وهي المستحقّة للإعزاز والإحترام،
(شعر) ومليحة مهجورة ودميمة ... مقبولة من أجل ذا عقلي عطل
(غيره) وربّ مليح لا يحبّ وضدّه ... يقبّل منه العين والخدّ والفم
وقريب ممّا ذكرنا ما قال شيخ الإسلام الهرويّ والإمام الأنصاريّ في منازل السّائرين وشارحه والّذي ثبت عندي بالتّجربة أنّ فراسة أهل المعرفة إنّما هي في تميّزهم من يصلح لحضرة الله جلّ وعلا ممّن لا يصلح ويعرفون أهل الإستعداد الّذين اشتغلوا بالله سبحانه ووصلوا إلى حضرة الجمع وهذه فراسة أهل المعرفة وأمّا فراسة أهل الرّياضة بالجوع والخلوة وتصفية الباطن من غير وصلة إلى جانب الحقّ تعالى فلهم فراسة كشف الصّور والإخبار بالمغيّبات المختصّة بالخلق فإنّهم لا يخبرون الّا عن الخلق لأنّهم محجوبون عن الحقّ سبحانه.
وأمّا أهل المعرفة فلإشتغالهم بما يرد عليهم من معارف الحقّ تعالى لا يكون إخبارهم الّا عن الحقّ تعالى ولمّا كان العالم أكثرهم أهل انقطاع عن الله سبحانه واشتغال بالدّنيا مالت قلوبهم إلى أهل كشف