الأولياء وأيضا انّه كان في بغداد غوث فذهب الشّيخ عبد القادر وابن السّقا وعبد الله (1) لزيارته فقال ذلك الغوث بطريق الفراسة في حقّ الشّيخ: كأنّي أراك تصعد المنبر في بغداد وتقول: قدمي هذه على رقبة كلّ وليّ الله وأرى أولياء وقتك يضعون رقابهم ويخفضونها إجلالا لك وإكراما. ويفهم من كلام هذا الغوث أيضا أنّ هذا الحكم كان مخصوصا بأولياء ذلك الوقت فإذا أعطي الحقّ سبحانه في هذا الوقت أيضا شخصا بصرا بصيرا يرى مثل ما رأى ذلك الغوث أنّ رقاب أولياء ذلك الوقت تحت قدمه وأنّ هذا الحكم لا يتجاوز إلى غير أولياء ذلك الوقت وكيف يجوز هذا الحكم في الأولياء المتقدّمين فإنّ فيهم الأصحاب الكرام عليهم الرّضوان وهم أفضل من حضرة الشّيخ بيقين وكيف يتمشّى أيضا في المتأخّرين فإنّ فيهم المهديّ الّذي بشّر النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بقدومه ووجوده وقال إنّه خليفة الله وكذلك عيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام الّذي هو من الأنبياء أولي العزم من السّابقين وملحق بأصحاب خاتم الرّسل بمتابعة شريعته عليه الصّلاة والسّلام ولعلّ وجه ما قاله النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم"لا يدرى أوّلهم خير أم آخرهم"هو جلالة شأن متأخّري هذه الامّة. وبالجملة: انّ لحضرة الشّيخ عبد القادر في الولاية شأنا عظيما ودرجة عليا أوصل الولاية الخاصّة المحمّديّة من طريق السّرّ إلى النّقطة الأخيرة وصار رأس حلقة تلك الدّائرة. لا يتوهّم هنا أنّ الشّيخ إذا كان رأس حلقة دائرة الولاية المحمّديّة ينبغي أن يكون أفضل من جميع الأولياء فإنّ الولاية المحمّديّة فوق جميع ولايات الأنبياء على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام لأنّا نقول: إنّه رأس حلقة الولاية المحمّديّة الحاصلة من طريق السّرّ كما مرّ لا رأس حلقة تلك الولاية مطلقا حتّى يلزم الأفضليّة أو نقول: إنّ كون رأس حلقة الولاية المحمّديّة مطلقا ليس بمستلزم للأفضليّة لأنّه يمكن أن يكون غيره أسبق قدما منه في كمالات النّبوّة المحمّديّة بطريق التّبعيّة والوراثة فتثبت الأفضليّة له من جهة تلك الكمالات وفي جماعة من مريدي حضرة الشّيخ عبد القادر غلوّ كثير في حقّه وتجاوز إلى جانب الإفراط في المحبّة مثل محبّي عليّ كرّم الله وجهه المفرطين فيه، ويفهم من فحوى كلام هؤلاء الجماعة وكلماتهم أنّهم يعتقدون الشّيخ أفضل من جميع الأولياء المتقدّمين والمتأخّرين ولا يعلم أنّهم يفضّلون عليه أحدا غير الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وهذا من إفراط المحبّة.
فإن قيل: إنّ الكرامات وخوارق العادات الّتي ظهرت من حضرة الشّيخ لم تظهر من وليّ أصلا فيكون الفضل له؟
قلت: إنّ كثرة ظهور الخوارق لا دلالة فيها على الأفضليّة بل يمكن أن يكون الّذي لم يظهر منه خارق أصلا أفضل من الّذي ظهرت منه خوارق وكرامات قال شيخ الشّيوخ في العوارف بعد ذكر الكرامات وخوارق المشائخ للعادات: وكلّ هذه مواهب الله تعالى وقد يكاشف بها قوم ويعطي وقد
(1) وهو ابو سعيد عبد الله ابن ابى عسرون امام الشافعية في وقته وهو الذى نقل هذه الحكاية بطولها على ما في الفتاوى الحديثية لابن حجر (القزاني رحمة الله عليه)