حضور ذات العالم وحيث كان ذلك الحضور دائميّا فالعلم بالذّات أيضا يكون دائميّا وزوال التّوجّه إلى ذاته غير ممكن وفي البقاء بالله علم حضوريّ لا يتصوّر زواله.
ولا تظنّنّ أنّ البقاء بالله عبارة عن أن يجد السّالك نفسه عين الحقّ كما عبّر البعض من هذه الطّائفة عن حقّ اليقين بهذه العبارة فإنّه ليس كذلك فإنّ البقاء بالله الّذي تيسّر بعد الفناء المطلق لا يناسبه أمثال هذه العلوم وحقّ اليقين الّذي قاله البعض مناسب لبقاء يحصل في الجذبة والبقاء الّذي هو مقصودنا غير ذلك،
شعر: فو الله لا تدري لذي الخمر لذّة ... ولا نشوة حتّى تذوق وتسكرا
فاستمرار التّوجّه ودوام الحضور إنّما ثبتا في البقاء بالله ولا إمكان لدوام التّوجّه قبل التّحقّق بالبقاء بالله وإن توهّم ذلك المعنى لكثيرين قبل الوصول إلى هذا المقام خصوصا في الطّريقة العليّة النّقشبنديّة قدّس الله أسرار أهلها والحقّ ما حقّقت والصّواب ما ألهمت والله سبحانه أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب الحمد لله ربّ العالمين أوّلا وآخرا والصّلاة والسّلام على رسوله دائما وسرمدا.
(286) المكتوب السّادس والثّمانون والمائتان إلى مولانا أمان الله الفقيه في بيان أنّ الإعتقاد الصّحيح هو المأخوذ من الكتاب والسّنّة على وفق آراء أهل السّنّة والجماعة وفي ردّ من يستنبط من الكتاب والسّنّة خلاف معتقدات أهل السّنّة والجماعة وأدركوا بالكشف خلاف ما عليه أهل الحقّ
بسم الله الرّحمن الرّحيم اعلم أرشدك الله وألهمك سواء الصّراط أنّ من جملة ضروريّات الطّريق للسّالك الإعتقاد الصّحيح الّذي استنبطه علماء أهل السّنّة والجماعة من الكتاب والسّنّة وآثار السّلف وحمل الكتاب والسّنّة على المعاني الّتي فهمها جمهور أهل الحقّ يعني علماء أهل السّنّة والجماعة منهما أيضا ضروريّ فإن ظهر فرضا بطريق الكشف والإلهام ما يخالف تلك المعاني المفهومة ينبغي أن لا يعتبره وأن يستعيذ منه مثل الآيات والأحاديث الّتي يفهم من ظواهرها التّوحيد الوجوديّ وكذلك الإحاطة والسّريان والقرب والمعيّة الذّاتيّة ولم يفهم علماء أهل الحقّ من تلك الآيات والأحاديث هذه المعاني فإذا انكشف للسّالك في أثناء الطّريق هذه المعاني بأن لا يرى غير موجود واحد أو بأن يدرك أنّ الله تعالى محيط بالذّات أو وجده قريبا بالذّات فهو وإن كان معذورا في ذلك بسبب غلبة الحال وسكر الوقت فيما هنالك ولكن ينبغي له أن يكون ملتجئا إلى الله تعالى ومتضرّعا إليه دائما لأن يخلّصه من هذه الورطة وأن يكشف له أمورا مطابقة لآراء علماء أهل الحقّ وأن لا يظهر له ما يخالف معتقداتهم الحقّة ولو مقدار شعرة.