(وبالجملة) ينبغي أن يجعل المعاني الّتي كانت مفهومة لعلماء أهل الحقّ مصداق الكشف وأن لا يجعل محكّ الإلهام غيرها فإنّ المعاني المخالفة للمعاني المفهومة لهم ساقطة عن حيّز الإعتبار لأنّ كلّ مبتدع ضالّ يزعم أنّ مقتدى معتقداته ومأخذها الكتاب والسّنّة فإنّه يفهم منهما بحسب افهامه الرّكيكة معاني غير مطابقة يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا وإنّما قلت إنّ المعتبر هو المعاني المفهومة لعلماء أهل الحقّ وانّ ما سواها ممّا يخالفها غير معتبرة بناء على أنّهم أخذوا تلك المعاني من تتبّع آثار الصّحابة والسّلف الصّالحين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين واقتبسوها من أنوار نجوم هدايتهم ولهذا صارت النّجاة الأبديّة مخصوصة بهم والفلاح السّرمديّ نصيبا لهم أولئك حزب الله ألا إنّ حزب الله هم المفلحون. فإن تداهن بعض العلماء في الفرعيّات وارتكبوا التّقصيرات في العمليّات مع وجود حقّيّة الإعتقاد لا ينبغي بسبب ذلك أن ينكر العلماء مطلقا وأن يطعن فيهم كلّيّا فإنّ ذلك محض عدم الإنصاف وصرف المكابرة بل إنكار أكثر ضروريّات الدّين فإنّ ناقلي تلك الضّروريّات هم العلماء وناقدي جيّدها عن رديئها هم العلماء فلولا نور هدايتهم لما اهتدينا ولو لا تمييزهم الصّواب عن الخطإ لغوينا وهم الّذين بذلوا جهدهم في إعلاء كلمة الدّين القويم وسلكوا بأناس كثيرة إلى صراط مستقيم فمن تابعهم نجا وأفلح ومن خالفهم ضلّ وأضلّ من الطّريق الأوضح.
(ينبغي) أن يعلم أنّ معتقدات الصّوفيّة بالاخرى أعني بعد تمام منازل السّلوك والوصول إلى أقصى درجات الولاية هي عين معتقدات أهل الحقّ فهى للعلماء بالنّقل والإستدلال وللصّوفيّة بالكشف والإلهام وإن ظهر لبعض الصّوفيّة في أثناء الطّريق بواسطة السّكر وغلبة الحال ما يخالف تلك المعتقدات ولكن إذا جاوز تلك المقامات وبلغ نهاية الأمر تكون تلك المخالفة هباء منثورا وإلّا فيبقى على تلك المخالفة ولكنّ المرجوّ أن لا يوأخذ بها فإنّ حكمه حكم المجتهد المخطئ والمجتهد مخطئ في الإستنباط وهو في الكشف ومن جملة مخالفات هذه الطّائفة الحكم بوحدة الوجود والإحاطة والقرب والمعيّة الذّاتيّات كما مرّ وكذلك إنكارهم وجود الصّفات السّبعة أو الثّمانية في الخارج بوجود زائد على ذات الحقّ جلّ شأنه فإنّ علماء أهل السّنّة ذاهبون إلى وجودها في الخارج بوجود زايد على وجود الذّات.
ومنشأ إنكارهم هو أنّ مشهودهم في ذلك الوقت هو الذّات في مرآة الصّفات ومعلوم أنّ المرآة تكون مختفية من نظر الرّائي فحكموا بعدم وجودها في الخارج بواسطة ذلك الإختفاء وظنّوا أنّها لو كانت موجودة لكانت مشهودة وحيث لا شهود فلا وجود وطعنوا في العلماء بسبب حكمهم بوجود الصّفات بل حكموا بالكفر والثّنويّة أعاذنا الله سبحانه من الجراءة على الطّعن فإن تيسّر لهم التّرقّي من هذا المقام وخرج شهودهم من هذا الحجاب وزال حكم المراتب لرأوا الصّفات مغايرة للذّات ولما أنكروها ولما انجرّ أمرهم إلى طعن أكابر العلماء.