الموت الأبديّ ويلقيه في العذاب السّرمديّ وهو لا يتفكّر بعد في إزالته أصلا ولا يسعى في دفعه قطعا فإن لم يعلم أنّ هذا التّعلّق مرض فهو سفيه محض وإن علم ومع ذلك لا يبالي به فهو بليد صرف ولأجل إدراك هذا المرض لا بدّ من عقل المعاد فإنّ عقل المعاش لقصور فكره مقصور على إدراك الظّاهر لا يتعدّاه إلى بواطن الامور فكما أنّ عقل المعاش لا يدرك المرض المعنويّ أو لا يراه مرضا بواسطة ابتلائه بالتّلذّذات الفانية وانغماسه فيها كذلك عقل المعاد لا يحسّ الأمراض الصّوريّة ولا يعدّها أمراضا بسبب رجائه المثوبات الاخرويّة عقل المعاش قصير النّظر وعقل المعاد حديد البصر عقل المعاد نصيب الأنبياء والأولياء عليهم الصّلاة والسّلام وعقل المعاش مرغوب الأغنياء وأرباب الدّنيا شتّان ما بينهما. والأسباب المحصّلة لعقل المعاد ذكر الموت وتذكّر أحوال الآخرة ومجالسة قوم تشرّفوا بدولة فكر الآخرة، (شعر) :
دللتك يا هذا على كنز مقصد ... فإن أنا لم أبلغ لعلّك تبلغ
ينبغي أن يعلم كما أنّ مرض الظّاهر موجب للعسرة والتّعب في أداء الأحكام الشّرعيّة كذلك مرض الباطن أيضا مستلزم لذلك قال الله تبارك وتعالى (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) وقال سبحانه وتعالى (وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) والمستلزم لذلك العسر في الظّاهر ضعف القوى والجوارح وفي الباطن ضعف اليقين ونقص الإيمان وإلّا فليس في التّكاليف الشّرعيّة عسر أصلا بل فيها كلّها تخفيف وتمام اليسر والسّهولة وقوله تعالى (يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقوله تعالى (يُرِيدُ الله أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا) شاهدان عدلان لهذا المعنى،
(شعر) :
ما ضرّ شمس الضّحى في الافق طالعة ... أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
فكان فكر إزالة هذا المرض لازما والإلتجاء إلى الأطبّاء الحذّاق فرضا ما عَلَى الرَّسُولِ إِلّا الْبَلاغُ (1) والسّلام والإكرام.
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين. اعلم أنّ أحوال فقراء هذا الجانب وأوضاعهم موجبة لازدياد الشّكر يوما فيوما ونتوقّع ذلك في حقّ الأحباب
(1) الآية: 99 من سورة المائدة.