ولنوضّح ذلك بمثال وهو أنّ العارف بالشّعبذة إذا قعد وراء الحجاب وحرّك بشعبذته صور جمادات متعدّدة وأظهر منها أفعالا عجيبة غريبة فالّذين فيهم حدّة البصر يعرفون أنّ جاعل هذه الأفعال في تلك الصّور هو ذلك الشّخص القاعد وراء الحجاب ولكن مباشر هذه الأفعال هو هذه الصّور. ولهذا يقال: إنّ الصّورة متحرّكة دون أن يقال: إنّ صاحب الشّعبذة متحرّك. وهم محقّون في ذلك الحكم في نفس الأمر، وشرائع الأنبياء ناطقة بذلك، والحكم بوحدة الفاعل من جملة السّكريّات، بل الحقّ الصّريح أنّ الفاعل متعدّد وخالق الأفعال واحد، وهكذا العلوم الّتي بيّنوها في توحيد الوجود مبناها على السّكر وغلبة الحال وعلامة صحّة العلوم اللّدنيّة مطابقتها لصريح العلوم الشّرعيّة فإن جاوزها مقدار شعرة وخالفها في مثقال ذرّة فهو من السّكر والحقّ ما حقّقه العلماء من أهل السّنّة والجماعة وما سوى ذلك يعني ممّا يخالفه إمّا زندقة وإلحاد، أو سكر وقت وغلبة حال مفضية إلى القول بالإتّحاد. وهذه المطابقة على وجه الكمال والتّمام إنّما تتيسّر في مقام العبديّة، وفي ما وراء ذلك يتحقّق فيه نحو من السّكر.
(ع) فيا لها قصّة في شرحها طول. *
سئل الخواجه بهاء الدّين قدّس سرّه أنّه ما المقصود من السّلوك؟ فقال لتصير المعرفة الإجماليّة تفصيليّة والإستدلاليّة كشفيّة ضروريّة ولم يقل ليحصل معرفة زائدة على معارف شرعيّة وإن حصل في الطّريق أمور زائدة. لكن إذا بلغ الأمر نهايته تكون تلك الأمور هباء منثورا وتصير المعارف الشّرعيّة معلومة على وجه التّفصيل وتخرج من مضيق الإستدلال إلى فضاء إطلاق الكشف. يعني كما أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يأخذ هذه العلوم من الوحي كذلك هؤلاء الأكابر يأخذونها بطريق الإلهام من الأصل. والعلماء بيّنوا هذه العلوم أخذا لها من الدّلائل الشّرعيّة بطريق الإجمال. فكما أنّ هذه العلوم كانت حاصلة للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام تفصيلا، كذلك تكون تلك العلوم حاصلة لهم كشفا على هذا النّهج. والأصالة والتّبعيّة قائمتان في البين، وإنّما ينتخب لمثل هذا القسم من الكمال بعض من كمّل الأولياء بعد قرون متطاولة وأزمنة متباعدة. وقد كان في الخاطر أن أكتب مسألة إجماليّة واستدلاليّة على وجه التّفصيل لكن تمّت الصّحيفة ولم يبق محلّ لكتابتها ولعلّ في ذلك حكمة الحقّ سبحانه وتعالى والسّلام.