فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 1087

إليهما الزّوال من جملة تلوينات الأوقات والأحوال، ولا كذلك فيما نحن بصدد بيانه. قال الخواجه بهاء الدّين النّقشبند قدّس سرّه"إنّ وجود العدم يعود إلى وجود البشريّة وأمّا وجود الفناء فلا يعود إلى وجود البشريّة»."

فلا جرم يكون وقتهم دائميّا وحالهم سرمديّا البتّة بل لا وقت لهم ولا حال, شغلهم مع موقّت الأوقات ومعاملتهم مع محوّل الأحوال، فصار قبول الزّوال مخصوصا بالوقت والحال ومن تخلّص عن الوقت والحال فقد صار ما يعرض له محفوظا من الزّوال ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) .

(ولا يزعم) الزّاعم: أنّ إطلاقهم دوام الوقت، وقولهم به إنّما هو باعتبار بقاء أثر ذلك الوقت ودوامه من التّعيّن وغيره. فإنّ الأمر ليس كذلك، بل الدّوام لنفس الوقت والإستمرار لعين الحال

إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (2) .

بل نقول: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (3) .

(قد طال) الكلام، فلنرجع إلى أصل المرام ونقول: إذا لم يكن في فضاء قدسه تعالى مجال للكلام فلنتكلّم في مقام عبوديّتنا وذلّنا وانكسارنا. إنّ المقصود من الخلقة الإنسانيّة إنّما هو أداء وظائف العبوديّة.

ومن أعطى العشق والمحبّة في الوسط والإبتداء فالمقصود منه قطع التّعلّق من غير جناب قدسه جلّ شأنه.

وليس العشق والمحبّة من المقاصد بل هو لحصول مقام العبوديّة فإنّ السّالك إنّما يكون عبد الله تعالى إذا تخلّص عن أسر غيره تعالى وعبوديّته بالتّمام، وليس فائدة العشق سوى أن يكون وسيلة الإنقطاع عن غيره سبحانه; ولهذا كانت نهاية مراتب الولاية مقام العبديّة، وليس في درجات الولاية مقام فوق مقام العبديّة ولا يجد السّالك في هذا المقام مناسبة بينه وبين مولاه تعالى إلّا الإحتياج من جانبه والإستغناء الأتمّ ذاتا وصفة من جانب المولى تعالى وتقدّس لا انّه يجد ذاته مناسبا لذاته وصفاته لصفاته وأفعاله لأفعاله عزّ سلطانه ولو بوجه من الوجوه حتّى انّه يتنزّه ويتبرّأ عن إطلاق الظّلّيّة لكونها من جملة المناسبات، بل يعتقد أنّه سبحانه خالقه وهو مخلوق له تعالى ولا يجترئ بغير ذلك بشيء. والتّوحيد الفعليّ الّذي يظهر لجمع في أثناء الطّريق بأن لا يجدوا فاعلا غير الحقّ سبحانه يقول هؤلاء الأكابر ويعتقدون أنّ خالق هذه الأفعال واحد لا أنّ مباشرها واحد، فإنّ هذا الكلام يكاد يوصل قائله إلى الزّندقة.

(1) الآية: 21 من سورة الحديد، والآية: 4 من سورة الجمعة.

(2) الآية: 36 من سورة يونس.

(3) الآية: 12 من سورة الحجرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت