تُبْصِرُونَ (1) وكلّ سير قبل ذلك داخل في السّير الآفاقيّ الّذي حاصله ممّا لا حاصل فيه وإطلاق لفظ لا حاصل إنّما هو بالنّسبة إلى أصل المطلب وإلّا فهو أيضا من جملة الشّرائط والمعدّات. (ولا يتوهّمنّ) أحد من الشّهود الأنفسيّ أنّه مثل التّجلّي الصّوريّ الّذي في نفس المتجلّى له ولا يتخيّل ذلك حاشا وكلّا فإنّ التّجلّي الصّوريّ داخل في السّير الآفاقيّ بجميع أقسامه وحاصل في مرتبة علم اليقين، والشّهود الأنفسيّ كائن في مرتبة حقّ اليقين الّذي هو نهاية مراتب الكمال. وإطلاق لفظ الشّهود في هذا المقام من ضيق ميدان العبارة، وإلّا فكما أنّ مطلبهم منزّه عن الكيف والكيفيّة، كذلك نسبتهم إلى ذلك المطلب منزّهة عن الكيف والكيفيّة فإنّه لا سبيل للمتكيّف إلى المنزّه عن الكيف قال في المثنويّ، (شعر) :
هست رب الناس را با جان ناس ... اتصالى بى تكيف بى قياس
ليك كفتم ناس را نسناس نه ... ناس غير از جان جان اسناس نه
يعني:
إنّ للرّحمن مع أرواح ناس ... اتّصالا دون كيف وقياس
قلت ناسا دون نسناس الفلا ... ليس ناس غير روح في الملا
ومنشأ توهّم اتّحاد الشّهود الأنفسيّ بالتّجلّي الصّوريّ المذكور، هو حصول بقاء شخص في كلا المقامين. فإنّ التّجلّي الصّوريّ ليس بمفن يعني للمتجلّى له وهو وإن رفع قيدا من القيود، ولكنّه لا يوصّل إلى حدّ الفناء ففيه بقيّة من وجود السّالك،
والسّير الأنفسيّ إنّما هو بعد الفناء الأتمّ والبقاء الأكمل، فلا جرم يصعب تفرقة ما بين هذين البقاءين لقلّة المعرفة. فيحكمون بالأتّحاد بالضّرورة، فإن علموا أنّ البقاء الثّاني معبّر عندهم بالبقاء بالله وأنّ ذلك الوجود يقال له الوجود الموهوب الحقّانيّ فعسى أن يتخلّصوا من ذلك التّوهّم.
(ولا يقال) هنا إنّ البقاء بالله عبارة عن وجدان السّالك نفسه عين الحقّ تعالى وتقدّس فإنّ الأمر ليس كذلك. فإن استفيد هذا المعنى من بعض عبارات القوم. أجيب عن ذلك: أنّ هذا البقاء يتيسّر للبعض في مقام الجذبة بعد الإستهلاك والإضمحلال المتشابه بالفناء.
وأكابر النّقشبنديّة يعبّرون عن ذلك بوجود العدم، وهذا قبل حصول الفناء ويتصوّر له الزّوال، بل هو واقع; فإنّه ربّما يؤخذ السّالك عن نفسه ويغيب ثمّ يرجع إلى نفسه أحيانا يعني ترتفع عنه الصّفات البشريّة ثمّ يعطاها ثانيا والبقاء الّذي بعد الفناء الأتمّ مصون عن الزّوال ومحفوظ من الخلل. وفناء أرباب هذا البقاء فناء دائميّ فهم فانون في عين البقاء وباقون في عين الفناء. فإنّ الفناء والبقاء اللّذين يتطرّق
(1) الآية: 21 من سورة الذاريات.