النّسب والاعتبارات منزّه عن النّسب والاعتبارات وقياس الغائب على الشّاهد ممتنع في ذلك الموطن أو نقول إنّ انتفاء العلم الخاصّ لا يستلزم عدم العلم المطلق بل يستلزم عدم العلم الخاصّ الذى هو متضمّن لشائبة الظّلّيّة فعلى هذا التّقدير لا يلزم محذور أصلا ولا يكون إرتفاع النّقيضين فافهم. (ينبغي أن يعلم) أنّ العلم الذى هو من الشّئون الذّاتيّة لا مناسبة له أصلا بالعلم الذى هو من الصّفات الزّائدة وإن كان أصل هذا العلم هو ذاك العلم إنّ الصّفات الزّائدة ظلّ الشّأن الذّاتيّ وثمّة كلّه انكشاف في انكشاف وحصول في عين الحضور ومن علوّ درجته لا يقدر الجهل أن يقع في الطّرف المقابل له وأن يقوم بنقاضته بخلاف صفة العلم فإنّ الجهل قائم بنقاضتها وإن كان وقوعه غير جائز واحتمال النّقيض له هذا صار باعثا على انحطاطه ومنعه من التّعلّق بجناب القدس فإنّ كلّ كمال فيه احتمال النّقيض أيّ كمال كان لا مجال له في تلك الحضرة القدرة الّتي أثبتوها في تلك المرتبة المقدّسة مثلا هي القدرة الّتي لا عجز في مقابلته بخلاف صفة القدرة فإنّ فيها احتمال النّقيض وإن لم يكن واقعا وعلى هذا القياس جميع الشّئون والصّفات الواجبيّة تعالت وتقدّست فإذا لم يكن لشأن العلم مناسبة بصفة العلم أصلا كيف يكون لعلم المخلوقات مناسبة بهذا الشّأن عظيم الشّأن؟ وكيف يتصوّر له تعلّق بتلك المرتبة المقدّسة إلّا أن يكون من الحقّ سبحانه رعاية وعناية للعبد فأعطى لانكشافه النّاقص جلاء من عند انكشافه وأعطاه البقاء الاكمل من عنده بعد الفناء الاتمّ ففي هذا الوقت يمكن أن يحصل له تعلّق لا كيفيّ بتلك المرتبة المقدّسة ويبلغ مبلغا يقصر دونه الأصل ويصل إلى أصل الاصل متجاوزا مرتبة الأصل وهذه خصوصيّة امتاز بها بنو آدم وفتح لهم طريق التّرقّى حتّى يتجاوزون الاصل وأصل الأصل أيضا ويبلغون مبلغا يبقى الاصل كالظّلّ في الطّريق ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (1) والسّلام.
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قال الشّيخ ابن العربيّ قدّس سرّه والتّجلّي من الذّات لا يكون إلّا بصورة المتجلّى له فالمتجلّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحقّ وما رأى الحقّ ولا يمكن أن يراه والمراد من مرآة الذّات هو الشّأن الذّاتيّ الذى ظلّه الاسم الزّائد الذى هو مبدأ لتعيّن المتجلّى له فإنّ لكلّ اسم زائد هو مبدأ لتعيّن من تعيّنات المخلوقات أصلا في مرتبة الذّات وهو الشّأن الذى هو مجرّد اعتبار في الذّات كما حقّقت في غير موضع وليس المراد منه الذّات مطلقا فإنّ المطلق لا يكون مرآة
(1) الآية: 54 من سورة المائدة والآية: 21 من سورة الحديد والآية: 4 من سورة الجمعة.