انّ الشّيخ المعظّم لم يسر في هذه المملكة الوسيعة ولم يقتطف من رياضها ازهار العلوم والمعارف وهذا الشّأن وان كان إلى حضرة الذّات اقرب وللجهالة وعدم الادراك انسب ولكنّ لمّا كان فيه شائبة التّنزّل والظّلّيّة كان من مظانّ العلم والمعرفة قلّ او كثر ولمّا وقع السّير لهذا الفقير بكرم الله سبحانه في ذلك الشّأن عظيم الشّأن صار مشهودا انّ الشّيء له حجرة تحت ذلك المقام بمسافة بعيدة وانّه اختار الاقامة فيه ولعلّه نال من هذا المقام حظّا وافرا في الآخر واطلاق بعد المسافة في مثل هذه الابعاد اللّاكيفيّة يمكن باعتبارين ضيق ميدان العبارة او انّ صورة ذلك البعد المثاليّة مشهودة في عالم المثال في صورة بعد المسافة سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا انّك انت العليم الحكيم والسّلام على من اتّبع الهدى (فصل بالخير) لزم من هذا البيان ان لا يكون العلم ثابتا في مرتبة الحياة الّتى فوقه سواء كان حصوليّا او حضوريّا فاذا لم يكن ثابتا في مرتبة الحياة كيف يكون ثابتا في مرتبة حضرة الذّات جلّ شأنها الّتى هى فوق الفوق فاذا لم يكن العلم ثابتا يكون نقيضه ثابتا تعالى الله سبحانه عن ذلك علوّا كبيرا والتّفصّى من هذا الإشكال مبنىّ على معرفة دقيقة قلّ من تكلّم بها من أولياء الله تعالى (ينبغى) ان يعلم انّ علم الواجب جلّ شأنه كما انّه من الصّفات الثمانية الحقيقيّة الزّائدة كما قال اهل الحقّ كذلك هو من الشّئون والاعتبارات الذّاتيّة الغير الزّائدة أيضا وحيث انّ القسم الاوّل من الصّفات الزّائدة على الذّات تعالت فمتعلّقه أيضا ممّا سوى الذّات المقدّسة سواء كان ذلك السّوى عالما او صفات زائدة فانّ كلّما هو متّسم بسمة الظّلّيّة وعرض له اسم الزّيادة لا يكون لائقا بجناب مرتبة حضرة الذّات المقدّسة ولا يكون له تعلّق بجناب قدسه تعالى سواء كان ذلك العلم حصوليّا او حضوريّا فان كان حضوريّا فهو أيضا متعلّق بظلّ من ظلال حضرة الذّات وان كان بين العلم والعالم والمعلوم اتّحاد فانّ هذا الاتّحاد أيضا ظلّ من ظلال المرتبة المقدّسة لا عينها وان ظنّ جمع عينيّتها والقسم الثانى الذى هو من الشّئون الذّاتيّة الغير الزّائدة متعلّقة حضرة الذّات فقط تعالت وتقدّست واعلى ممّا يتعلّق بما سوى الذّات وبالجملة انّ العلم ان كان زائدا فتعلّقه مقصور على ما سوى الذّات والعلم الذى ليس بزائد بل مجرّد اعتبار فتعلّقه مقصور على حضرة الذّات تعالت وتقدّست والعلم المنتفى في مرتبة حضرة الذّات هو العلم الزّائد الغير اللّائق بتلك المرتبة المقدّسة الذى هو ظلّ شأن العلم الغير الزّائد ولا يلزم من انتفاء ذلك العلم ثبوت نقيضه الذى هو الجهل فانّه اذا لم يكن هناك مجال للعلم الذى هو من الصّفات الكاملة كيف يكون لنقيضه الذى هو نقص من القدم إلى الرّأس مجال الثبوت في تلك الحضرة (غاية ما في الباب) انّ هذين النّقيضين كلاهما يكونان مسلوبين عن تلك الحضرة ولا يلزم محذور اصلا قال واحد من العارفين"عرفت ربّى بجمع الاضداد"وكأنّه لا يصل إلى ذلك المقام الاقدس بواسطة علوّه واحد من هذين النّقيضين فإذا كان جميع النّسب والاعتبارات مسلوبة عن تلك الحضرة فالعلم وعدم العلم اللّذان من جملة النّسب يكونان مسلوبين أيضا والذي لا بدّ له من النّسب والاعتبارات ولا يكون فيه رفع النّقيضين ولا جمعهما هو الممكن وخالق