على العباد ومن كمال الرّأفة جعل للمأمور به خلفا إن تعسّر الأصل فجعل للوضوء خلفا هو التّيمّم وكذا حكم بأنّ من لم يقدر على القيام صلّى قاعدا وأنّ من لم يقدر على القعود صلّى مضطجعا وكذا من لم يقدر على الرّكوع والسّجود صلّى موميا إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على النّاظر في الأحكام الشّرعيّة بنظر الإعتبار والإنصاف فيجد تمام التّكليفات الشّرعيّة في غاية اليسر ونهاية السّهولة ويطالع كمال الرّحمة منه سبحانه بالعباد في صفحات التّكليفات، ومصداق تخفيف التّكليفات تمنّي العوامّ في زيادة التّكليف من المأمورات فإنّ بعضهم يتمنّى الزّيادة في الصّوم المفروض وبعضهم في الصّلوات المفروضات وعلى هذا القياس وما هذا التّمنّي الّا لكمال التّخفيف. وعدم وجدان اليسر في أداء الأحكام للبعض مبنيّ على وجود ظلمات نفسانيّة وكدورات طبيعيّة ناشئة عن هوى النّفس الأمّارة المنتصبة لمعاداة الله سبحانه قال الله سبحانه: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) (1) . وقال تعالى وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخاشِعِينَ (2) فكما أنّ مرض الظّاهر موجب العسر في أداء الأحكام كذلك مرض الباطن أيضا موجب لذلك العسر وقد ورد الشّرع الشّريف لإبطال رسوم النّفس الأمّارة ورفع هواجسها فهوى النّفس ومتابعة الشّريعة على طرفي نقيض فلا جرم يكون وجود ذلك العسر دليل وجود هوى النّفس فيقدّر وجود الهوى بقدر العسر فإذا انتفى الهوى كلّيّة انتفى العسر رأسا وأمّا كلام بعض الصّوفيّة المذكور سابقا في نفي الإختيار وضعفه فاعلم أنّ كلامهم إن لم يكن مطابقا لأحكام الشّريعة فلا اعتبار له أصلا فكيف يصلح للحجّة والتّقليد وإنّما الصّالح للحجّة والتّقليد أقوال العلماء من أهل السّنّة فما وافق أقوالهم من كلام الصّوفيّة يقبل وما خالفهم لا يقبل على أنّا نقول: إنّ الصّوفيّة المستقيمة الأحوال لا يتجاوزون الشّريعة أصلا لا في الأحوال ولا في الأعمال ولا في الأقوال ولا في العلوم ولا في المعارف ويعلمون أنّ بقيّة الخلاف مع الشّريعة ناشية عن سقم في الحال وخلل فيه ولو صدق الحال ما خالف الشّريعة الحقّة وبالجملة خلاف الشّريعة دليل الزّندقة وعلامة الإلحاد. (غاية ما في الباب) أنّ الصّوفيّ لو تكلّم بكلام مخالف للشّريعة ناش عن الكشف في غلبة الحال وسكر الوقت فهو معذور وكشفه غير صحيح وغير صالح للتّقليد بل ينبغي أن يحمل كلامه ويصرف عن ظاهره فإنّ كلام السّكارى يحمل ويصرف عن الظّاهر هذا ما تيسّر لي في هذا المقام بعون الله سبحانه وحسن توفيقه تعالى الحمد لله وسلام على عباده الّذين اصطفى.
(1) الآية: 13 من سورة الشورى.
(2) الآية: 45 من سورة البقرة.