ومعاشرين تحت قدمه ومن ههنا تسمعهم يقولون: إنّ فلانا تحت قدم محمّد وفلانا تحت قدم موسى وفلانا تحت قدم عيسى عليهم الصّلاة والسّلام فإذا حصل لتلك الجزئيّات ترقّ بطريق السّلوك تكون ملحقة بكلّيّاتها ويكون شهود الجزئيّات شهود الكلّيّات ويكون الفرق بالأصالة والتّبعيّة والإمتياز بوجود التّوسّط وعدمه فإنّ ما يجده التّابع ويراه لا يمكن أن يكون بدون توسّط الأصل وربّما لا يعلم التّابع من قصوره الأصل متوسّطا ولكنّ الأصل حائل في الحقيقة بين التّابع ومشهوده لا أنّه حائل مانع عن الشّهود بل هو باعث على الشّهود كالمنظر الصّافي ولا يجوز أن يترقّى جزئيّات كلّيّ إلى غيره بأن تخرج منه وتدخل تحت كلّيّ آخر ويكون مشهودها مشهود ذلك الكلّيّ الآخر مثل أن ينتقل الّذين كانوا تحت قدم موسى مثلا إلى تحت قدم عيسى ولكن يمكن أن يدخلوا تحت قدم محمّد بل هم تحت قدمه صلّى الله عليه وسلّم دائما. فإنّ ربّ محمّد ربّ الأرباب وأصل جميع تلك الكلّيّات فيكون بالنّسبة على تلك الجزئيّات أصل الأصل وكأنّ هذا التّرقّي إلى أصل الأصل لا إلى أصل مباين لأصلها. والفرق حينئذ بين الجزئيّات وبين كلّيّاتها هو أنّ للجزئيّ حائلين أحدهما أصله الّذي هو كلّيّ له وثانيهما أصل الأصل والكلّيّ الّذي هو أصل ذلك الجزئيّ حجابه أصل الأصل فقط
فعلم من هذا أنّ شهود محمّد رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم بلا حجاب التّعيّنات وشهود غيره في حجب التّعيّنات ولا أقلّ من أن يكون في حجاب التّعيّن المحمّديّ ومن ههنا قالوا: إنّ تجلّي الذّات من خاصّة محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتجلّي غيره في حجب الصّفات ولا أقلّ من أن يكون في حجاب ربّ الأرباب فإنّ ربّ محمّد فوق جميع الأسماء والصّفات سوى صفة الحياة.
فإن قيل: يلزم على هذا البيان أنّ شهود سائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في حجاب مبدأ التّعيّن المحمّديّ الّذي هو ربّه وشهود أولياء أمّته الّذين هم تحت قدمه صلّى الله عليه وسلّم بالأصالة أيضا في حجاب ربّ الأرباب كشهود سائر الأنبياء فما الفرق بين شهود سائر الأنبياء وبين شهود أولياء أمّته عليه الصّلاة والسّلام؟
قلت: إنّ للأنبياء عليهم السّلام شهودا آخر غير هذا الشّهود الّذي هو في حجاب الحقيقة المحمّديّة حصل لهم ذلك الشّهود من طريق مبادي تعيّناتهم يشاهدون منه غيب الغيب بالأصالة واضعين مناظرهم المخصوصة بهم على أبصار بصائرهم. ينبغي أن يعلم أنّ حصول هذين الشّهودين ليس هو بمعنى أنّهما يتحقّقان معا بل بمعنى أنّ التّرقّي إذا بلغ أصل الأصل فشهوده في حجاب الحقيقة المحمّديّة كعيسى على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام حيث أنّه يشرّف بهذه الدّولة بعد نزوله وهذا التّرقّي متعسّر جدّا بل قريب من الإستحالة لا بدّ من الفضل العظيم من طرف الله تعالى وفي عالم الأسباب لا بدّ من شفقة الشّيخ المحمّديّ المشرب فإن لم يترقّ من أصله ولم ينفكّ من حقيقته ولم يصل إلى حقيقة الحقائق فشهوده إنّما هو في حقيقته المخصوصة به.