فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 1087

اعلم وتنبّه كما أنّ إلى حضرة ذات الحقّ تعالى وتقدّس طريقا من حقيقة الحقائق يوصل منه إليه تعالى بعد منازل كثيرة كذلك من سائر الحقائق الكلّيّات أيضا طريق إليها يحصل الوصول منه إليه تعالى وتقدّس بعد طيّ مراحل متكثّرة. (غاية ما في الباب) أنّ في طريق حقيقة الحقائق الوصل العريان وفي سائر الطّرق وإن تيسّر وصل الذّات ولكنّ الحجاب الرّقيق كالغلالة من منتهى أصول حقيقة الحقائق العالية الّتي هي الحقيقة المحمّديّة حائل في البين وهو وإن لم يكن حاجزا حصينا ومانعا متينا ولكن صارت حاجزيّته مانعة عن إطلاق التّجلّي الذّاتيّ والّا فلسائر الأنبياء عليهم السّلام أيضا نصيب من الذّات تعالت وتقدّست بالأصالة ولكمّل أممهم أيضا بتبعيّتهم.

فإن قيل: إذا كانت صفة الحياة فوق صفة العلم كان تعيّن صفة الحياة في طريق حقيقة الحقائق أيضا حائلا فكيف يكون فيه الوصل العريان وكيف يكون فيه التّجلّي الذّاتيّ؟

أجيب: أنّ ذلك التّعيّن كلا تعيّن؛ لأنّه يصير ممحوّا ومتلاشيا في المرتبة الفوقانيّة ولا يبقى له اعتبار في مرتبة الذّات أصلا وسائر الصّفات وإن لم يكن لها أيضا اعتبار في مرتبة الذّات ولكنّها قبل وصولها إلى مرتبة الذّات تتلاشى بنوع ما بخلاف صفة الحياة فإنّها تصل إلى مرتبة الذّات ثمّ تتلاشى فيها ولهذا كان تعيّن الحقيقة المحمّديّة وسائر تعيّنات الخلائق دائما وصار زوالها في مرتبة من المراتب محالا (نعم) إنّ الوصول إلى شيء غير الإضمحلال فيه وما وقع في عبارة بعض المشائخ قدّس الله أسرارهم من لفظ المحو والإضمحلال فالمراد به المحو النّظريّ لا المحو العينيّ، يعني يرتفع تعيّن السّالك عن نظره لا أنّه يصير ممحوّا في نفس الأمر فإنّه إلحاد وزندقة، وحمل بعض ناقصي أرباب هذا الطّريق هذه الألفاظ الموهمة على المحو والإضمحلال العينيّ ووصلوا به إلى الزّندقة وأنكروا الثّواب والعذاب الاخرويّين وتخيّلوا أنّهم يعودون من الكثرة إلى الوحدة مرّة أخرى كما وردوا من الوحدة إلى الكثرة أوّل مرّة وزعموا أنّ تلك الكثرة تصير مضمحلّة في الوحدة وخال بعض هؤلاء الزّنادقة ذلك الإنمحاء والإضمحلال قيامة كبرى وأنكر الحشر والنّشر والحساب والصّراط والميزان ضلّوا فأضلّوا كثيرا من النّاس ورأيت شخصا من هؤلاء الجماعة يستشهد لمطلبه بشعر مولانا عبد الرّحمن الجاميّ قدّس سرّه هذا،

(شعر) جامى معاد ومبدأ ما وحد تست وبس ... ما در ميانه كثيرة موهوم والسلام

(ترجمة) ما مبدأ ولا معاد ... صاح الّا وحدة

ما نحن في ذا البين الّا ... كثرة موهومة *

ولم يعلموا أنّ مراد مولانا الجاميّ بهذا البيت العود والرّجوع إلى الوحدة باعتبار النّظر والشّهود يعني لا يبقى المشهود غير الذّات الأحد وتختفي الكثرة عن النّظر بالتّمام لا الرّجوع العينيّ والعود الوجوديّ ولعلّ بهم عمى أما يرون أنّه لم يزل العجز والنّقص والإحتياج عن كامل أصلا فما يكون معنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت