منها راجع إلى جناب قدسه تعالى أصلا بل هناك محض الخير والكمال وكذلك كلّما يقع في العالم حسنه وكماله راجع إلى جناب قدسه تعالى وشرّه، ونقصه عائد إلى دائرة الممكنات الّتي لها قدم راسخ في العدم الّذي هو منشأ جميع الشّرّ والنّقص، والكلمة الطّيّبة سبحان الله وبحمده مبيّنة لهذين الأمرين بأبلغ الوجوه ومنزّهة له سبحانه ومقدّسة إيّاه تعالى عمّا لا يليق بجناب قدسه تعالى من الشّرور والنّقائص كمال التّنزيه والتّقديس وبعبارة الحمد الواقعة فيها يؤدّي الشّكر على صفاته الحميدة وأفعاله الجميلة وعلى إنعاماته العديدة وإحساناته الجزيلة لكونه رأس كلّ شكر ولهذا ورد في الحديث (1) النّبويّ: انّ من قال هذه الكلمة الطّيّبة في يوم أو ليلة مائة مرّة لا يساويه أحد في العمل في ذلك اليوم أو اللّيلة الّا من قال هذه الكلمة الطّيّبة مثله وكيف يساويه فإنّ كلّ عمل وعبادة أداء شكر من شكره تعالى وقد أدّى بجزء واحد من هذه الكلمة وبقي الجزء الأخير منها الّذي هو لبيان تنزيهه وتقديسه سبحانه زائدا عليه فعليكم بإتيان هذه الكلمة كلّ يوم وليلة مائة مرّة والله سبحانه الموفّق.
فإن قيل: قد ورد في الحديث النّبويّ صلّى الله عليه وسلّم سبحان الله (2) وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. وورد أيضا سبحان الله (3) ملء الميزان. وورد أيضا أضعاف ما حمده جميع خلقه ولم يقل القائل غير مرّة واحدة ولم يقع العدد غير فرد واحد فبأيّ اعتبار يقال عدد خلقه وما يكون معنى رضاء نفسه وكيف يكون زنة عرشه وكيف يصحّ أن يقال مداد كلماته وكيف يملأ به الميزان وبأيّ معنى يقال إنّه أضعاف ما حمده جميع خلقه؟ (قلت) : إنّ الإنسان جامع عالم الخلق وعالم الأمر وكلّما هو في عالم الخلق والأمر فهو في الإنسان مع شيء زائد عليه وهو هيئته الوحدانيّة الّتي نشأت من تركّب الخلق والأمر وهذه الهيئة الوحدانيّة لم تتيسّر لشيء غيره وهي أعجوبة غريبة وأنموذجة بديعة فالحمد الّذي يقع من الإنسان يكون أضعاف حمد جميع الخلائق وعلى هذا القياس سائر الأسئلة فينبغي أن يكون المراد بجميع الخلق ما سوى الإنسان ولئن أدخلنا فيه الإنسان أيضا نقول انّ الانسان الكامل كما انّه يجد جميع أفراد العالم اجزاء نفسه كذلك يجد أفراد الانسان أيضا أجزاء نفسه ويرى نفسه كلّا للكلّ فعلى هذا التّقدير يجد حمد نفسه أضعاف حمد نفسه وأضعاف حمد جميع أفراد الإنسان أيضا.
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى (4) والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أفضل الصّلوات وأكمل التّحيّات.
(1) رواه الشيخان عن ابى هريرة رضى الله عنه
(2) رواه مسلم عن جويرية رضى الله عنها. (القزاني رحمة الله عليه)
(3) اخرجه الديلمى عن على كرم الله وجهه مرفوعا من سره ان يناله في عمره وينصر على عدوه ويوسع عليه في رزقه ويوقى منية السوء فليقل حين يمسى وحين يصبح ثلاث مرات سبحان الله ملأ الميزان ومنتهى العلم الحديث .. (القزاني رحمة الله عليه)
(4) الآية: 47 من سورة طه.