فهرس الكتاب

الصفحة 987 من 1087

الذين تلوّنت أحوالهم وهم أصحاب التّلوين وقوله تعالى أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ (1) بيان حال أهل التّمكين فإنّهم القوا سمعهم للفهم في حال عين الشّهود إلّا أنّ الذّكرى للقوم الاوّل في بعض الاوقات وللثّاني في جميع الأحوال كما ترى ولو قال الشّيخ قدّس سرّه: وهذه الآية تحكم بخلاف هذا الامر لقوم آخرين أيضا لكان أنسب وكلمة"أو"لمنع الخلوّ فلا ينافي الجمع بين الفريقين في الذّكرى ثمّ قال الشّيخ بعد ذلك"فموضع الفهم محلّ المحادثة والمكالمة وهو سمع القلب وموضع المشاهدة بصر القلب فمن هو في سكر الحال يغيب سمعه في بصره ومن هو في حال الصّحو والتّمكين لا يغيب سمعه في بصره لتملّكه ناصية الحال ويفهم بالوعاء الوجوديّ المستعدّ لفهم المقال لانّ الفهم مورد الالهام والسّماع والالهام والسّماع يستدعيان وعاء وجوديّا وهذا الوجود يكون موهوبا منشأ إنشاء ثانيا للتّمكّن في مقام الصّحو وهو غير الوجود الذي يتلاشى عند لمعان نور المشاهدة لمن جاوز على ممرّ الفناء إلى مقارّ البقاء» انتهى قوله فموضع الفهم محلّ المحادثة والمكالمة أي مع الله عزّ وجلّ يغيب سمعه في بصره أي لا يفهم وقت المشاهدة وهو حال أهل التّلوين يذهل عند المشاهدة كما قاله الواسطيّ: لا يغيب سمعه في بصره أي يفهم في عين المشاهدة وهو حال أهل التّمكين يجمع لهم بين المشاهدة والفهم كما مرّ لمن جاوز متعلّق بقوله موهوبا أي موهوبا لمن جاوز الفناء ووصل إلى البقاء لا يخفى أنّه ما معنى المشاهدة في أهل التّلوين والمشاهدة إنّما تكون في الذّات كما قالوا وهو غير واصل بعد إلى الذّات فالاولى في حقّه المكاشفة بالصّفات المتخيّلة المتلوّنة وما هو في الذّات لا تلوين له ولا تغيّر وليس في تلك الحضرة المقدّسة تارة الذّهول وأخرى الشّعور بل شعور في عين الذّهول وفهم في نفس الشّهود والظّاهر من كلام الشّيخ قدّس سرّه جواز وقوع المشاهدة في الدنيا ببصر القلب وصاحب التّعرّف قدّس سرّه وهو إمام الطّائفة منع رؤيته تعالى في الدنيا بالبصر والقلب معا وادّعى الإجماع عليه وقال: وأجمعوا على أنّه تعالى لا يرى في الدنيا بالابصار وبالقلوب إلّا من جهة الإيقان وما قاله صاحب التّعرّف قدّس سرّه أقرب إلى الصّواب عندي بل هو الصّواب لانّ ما يتخيّل أنّه سبحانه يرى فإنّما هو رؤية خيال أي كشف صورة في الخيال للإيقان الذي حصل للقلب وللموقن به أيضا صورة كوشفت للقلب فإنّهم جوّزوا المثال للحقّ سبحانه وإن لم يكن له تعالى مثل فلله المثل الاعلى وإنّما ارتسم في الخيال صورة الإيقان وصورة الموقن به وإن لم يكن له تعالى صورة في الواقع لانّ المعاني الحاصلة للقلب ولسائر اللّطائف بل كلّ ما وجد ويوجد لها صورة في الخيال الذي هو تمثال المثال الذي هو أوسع العوالم كلّها فليس ههنا إلّا ايقان للقلب وصورة إيقان وصورة موقن به تمثّل في الخيال بصورة رؤية ومرئيّ ولا رؤية في الحقيقة للقلب له تعالى فضلا عن أن يكون للبصر وإنّما هي رؤية مثاليّة للقلب تمثّل إيقانه بصورة الرّؤية وتمثّل الموقن به بصورة المرئيّ فظنّ منه أنّه رآه حقيقة وما هي إلّا رؤية خياليّة بل نقول: إنّ صورة الموقن ليست صورة مثاليّة للحقّ سبحانه بل صورة كشف تعلّق الإيقان به وظهرت في الخيال وحاشا لله أن يكون له تعالى"

(1) الآية: 37 من سورة ق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت