فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 1087

فإنّهم معصومون بالذّات ليس فيهم مجال المخالفة حتّى ينهون عنها فلزم كون التّرقّي مربوطا بهذا الجزء وهذا الإجتناب هو عين مخالفة النّفس فإنّ الشّريعة إنّما وردت لرفع الأهواء النّفسانيّة ودفع الرّسوم الظّلمانيّة فإنّ مقتضى طبيعة النّفس إمّا ارتكاب المحرّم أو ارتكاب الفضول المفضي أخيرا للمحرّم فاجتناب الفضول هو عين مخالفة النّفس.

فإن قيل: إنّ في امتثال الأوامر أيضا مخالفة النّفس فإنّ النّفس لا تريد الإشتغال بالعبادة فيكون الإمتثال أيضا مستلزما للتّرقّي وفي الملائكة لمّا كانت مخالفة الإمتثال مفقودة لم يكن سببا لترقّيهم فالقياس مع الفارق (قلت) إنّ عدم إرادة النّفس العبادة وعدم رضاها بها إنّما هو بسبب كونها طالبة لفراغها بحيث لا تريد أن تكون مقيّدة ومشغولة بشيء وهذا الفراغ وعدم الإشتغال أيضا داخلان في المحرّم او الفضول فجاءت مخالفة النّفس في امتثال الأوامر من طريق اجتناب المحرّم والفضول لا من طريق أداء الأوامر يعني المأمورات فقط حتّى يقال: إنّه موجود في الملائكة أيضا فالقياس صحيح. فكلّ طريق مخالفة النّفس فيه أكثر فهو أقرب الطّرق ولا شكّ أنّ رعاية مخالفة النّفس في طريقة النّقشبنديّة أكثر منها في سائر الطّرق فإنّ هؤلاء الأكابر اختاروا العمل بالعزيمة والإجتناب عن الرّخصة ومن المعلوم أنّ كلّا من اجتناب المحرّم والفضول موجود في العزيمة ومرعىّ فيها بخلاف الرّخصة فانّ فيها اجتناب المحرّم فقط.

فإن قيل: يمكن أن يكون المختار عند أرباب سائر الطّرق أيضا العزيمة.

قلت: إنّ في أكثر الطّرق سماعا ورقصا ويبلغ الأمر فيه حدّ الرّخصة بعد تمحّل كثير وأين فيه المجال للعزيمة بعد وكذلك ذكر الجهر لا يتصوّر فيه ما فوق الرّخصة وقد أحدث مشائخ سائر الطّرق أمورا محدثة في طرقهم لبعض نيّات صحيحة، نهاية التّصحيح في تلك الامور الحكم بالرّخصة بخلاف أكابر هذه السّلسلة العليّة فإنّهم لا يجوّزون مقدار شعرة من مخالفة السّنّة فتكون مخالفة النّفس في هذا الطّريق أتمّ فيكون أقرب الطّرق فيكون اختيار هذا الطّريق للطّالب أولى وأنسب لأنّ الطّرق في نهاية الأقربيّة والمطلب في كمال الرّفعة.

(وقد ترك جماعة) من متأخّري خلفائهم أوضاع هؤلاء الأكابر وأحدثوا في هذا الطّريق بعض الامور واختاروا السّماع والرّقص والجهر ومنشأ ذلك عدم الوصول إلى حقيقة نيّات أكابر هذه الطّريقة العليّة فخالوا أنّهم يكملون ويتمّمون هذه الطّريقة بهذه المحدثات والمبتدعات ولم يدروا أنّهم يسعون بها في تخريبها ويجتهدون في إضاعتها والله يحقّ الحقّ وهو يهدي السّبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت