فيلتزم التّرتيب وافترض الإمام مالك الدّلك في غسل الأعضاء فيدلّك ألبتّة وكذلك قالوا ينقض الوضوء بمسّ النّساء والذّكر فيجدّد الوضوء إن مسّ أحدهما وعلى هذا القياس في سائر الأحكام الخلافيّة وبعد حصول هذين الجناحين الإعتقاديّ والعمليّ يكون متوجّها نحو العروج إلى مدارج القرب الإلهيّ جلّ سلطانه وطالبا لقطع المنازل الظّلمانيّة والمسالك النّورانيّة ولكن ينبغي أن يعلم أنّ ذلك العروج وقطع المنازل مربوط بتوجّه شيخ كامل مكمّل عالم بالطّريق بصير به هاد إليه، نظره شفاء الأمراض القلبيّة وتوجّهه دافع الأخلاق الرّديّة الغير المرضيّة فليطلب أوّلا الشّيخ فإن عرفه بمحض فضل الحقّ سبحانه فليلازمه معتقدا أنّ معرفته إيّاه نعمة عظمى وليكن منقادا له في تصرّفاته بكلّيّته قال شيخ الإسلام الهرويّ:
إلهي ما هذا الّذي جعلت أولياءك بحيث من عرفهم وجدك وما لم يجدك لم يعرفهم ويفنى اختياره في اختيار شيخه بالكلّيّة ويخلّي نفسه عن جميع المرادات ويشدّ نطاق الهمّة في خدمته ويسعى سعيا بليغا في امتثال جميع ما يأمر به شيخه معتقدا بأنّ رأس مال سعادته فيه فإن رأى الشّيخ المقتدى به أنّ المناسب لاستعداده الذّكر يأمره به وإن رأى أنّ المناسب التّوجّه والمراقبة يشير بهما أيضا فيما هنالك وإن علم الكفاية بمجرّد الصّحبة يأمره أيضا بذلك. (وبالجملة) انّ الإحتياج إلى الذّكر مع وجود صحبة الشّيخ ليس شرطا من شرائط الطّريق أصلا بل يأمر الشّيخ بكلّ ما يراه مناسبا لحال الطّالب فإن وقع منه تقصير في بعض شرائط الطّريق يتلافاه بصحبة الشّيخ فيكون توجّهه جابرا لنقصانه.
ومن لم يشرّف بصحبة مثل هذا الشّيخ فإن كان من المرادين يجذبه الحقّ سبحانه ويجتبيه إليه ويكفيه أمره بمحض عنايته الّتي لا غاية لها ولا نهاية ويعلّمه كلّ شرط وأدب لازم له ويجعل روحانيّة بعض الأكابر وسائل طريقه ودليله في قطع منازل السّلوك فإنّ توسّط روحانيّات المشائخ في قطع طريق السّلوك لازم بطريق جرى عادة الله سبحانه.
وإن كان من المريدين فأمره من غير توسّط شيخ مقتدى به مشكل فينبغي أن يلتجئ إلى الله سبحانه دائما إلى أن يصل إلى شيخ مقتدى به. وينبغي أيضا أن يعدّ رعاية شرائط الطّريق لازمة وقد بيّنت تلك الشّرائط في كتب المشائخ تفصيلا فينبغي مراجعتها وملاحظة ما فيها ورعايتها بعد ذلك ومعظم شرائط الطّريق مخالفة النّفس وهي موقوفة على رعاية مقام الورع والتّقوى الّذي هو الإنتهاء من المحارم والإنتهاء من المحارم لا يتصوّر الّا بعد الإجتناب من فضول المباحات فإنّ إرخاء العنان في ارتكاب المباحات يفضي إلى ارتكاب المشتبهات والمشتبه قريب من المحرّم واحتمال الوقوع فيه أقوى ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. فاجتناب المحرّمات كان موقوفا على اجتناب فضول المباحات فلا بدّ في تحقّق الورع من اجتناب فضول المباحات ولا بدّ للتّرقّي والعروج من تحقّق الورع فإنّه مربوط به.
وبيانه أنّ للأعمال جزأين امتثال الأوامر والإنتهاء عن المناهي والإمتثال يشارك فيه القدسيّون فإن وقع التّرقّي بالإمتثال فقط لوقع للقدسيّين أيضا، والإنتهاء عن المناهي خاصّ بالإنسيّين ليس هو في القدسيّين