فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 1087

رزقكم الله سبحانه الزّيادة في طلبه والإجتناب عن كلّ ما ينافي الوصول إلى المطلب بحرمة سيّد البشر المحرّر عن زيغ البصر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات. قد شرّف مكتوبكم الشّريف بوصوله، ولمّا كان منبئا عن الطّلب والشّوق ومشعرا بوجود الهيام والظّمأ والذّوق، كان لدى النّظر مستحسنا جدّا فإنّ وجود الطّلب مبشّر بحصول المطلوب، وحصول الهيام مقدّمة الوصول إلى المقصود. وقال أحد من الأعزّة: إن طلبت تعطى وإن لم تعط تزاد فينبغي أن يعدّ حصول دولة الطّلب نعمة عظمى، وأن يحترز من كلّ ما ينافيها لئلّا يتطرّق الفتور إليها من غير شعور وكيلا تؤثّر البرودة في تلك الحرارة. ومعظم أسباب المحافظة عليها هو القيام بشكر حصول تلك الدّولة لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (1) ودوام الإلتجاء والتّضرّع إلى جناب قدس الحقّ جلّ سلطانه حتّى لا يصرف وجه طلبه عن كعبة جماله اليزاليّ، فإن لم تتيسّر حقيقة الإلتجاء والتّضرّع ينبغي أن لا يقصر في صورة الإلتجاء والتّضرّع"فإن لم تبكوا فتباكوا"بيان لهذا المعنى، وهذه المحافظة إنّما هي إلى زمان الوصول إلى الشّيخ الكامل المكمّل ثمّ بعد الوصول إليه لا شيء عليه سوى تفويض جميع مراداته إليه وكونه كالميّت بين يدي الغسّال لديه.

والفناء الأوّل هو الفناء في الشّيخ، ويكون هذا الفناء وسيلة الفناء في الله، (شعر) :

من أجل كونك في البداية أحولا ... لا بدّ من شيخ يقودك أوّلا

فإنّ طريق الإفادة والإستفادة مبنيّ على وجود المناسبة بين الطّرفين.

والطّالب لا بدّ له أوّلا من برزخ ذي جهتين لكونه في الإبتداء في غاية الدّناءة ونهاية الخساسة وعدم مناسبته أصلا لجناب قدسه جلّ سلطانه من هذه الحيثيّة، وذلك البرزخ هو الشّيخ الكامل المكمّل.

وأقوى أسباب وقوع الفتور على طلب الطّالب هو الإنابة إلى الشّيخ النّاقص، وهو الّذي جلس على مسند المشيخة بدون إتمام أمره بالسّلوك والجذبة، فصحبته سمّ قاتل للطّالب والإنابة إليه مرض مهلك. ومثل هذه الصّحبة تورث الإنحطاط والتّنزّل للاستعداد العالي، بل ترميه من الذّروة إلى الحضيض؛ ألا ترى أنّ المريض إذا أكل مثلا دواء من طبيب ناقص في الطّبّ فلا جرم يكون ذلك سعيا واجتهادا منه في زيادة مرضه وتضييع قابليّة إزالة مرضه، وهذا الدّواء وإن أورث تسكين الوجع وتخفيف ما في أوّل وهلة ولكن في الحقيقة هو عين المضرّة، فإن وصل هذا المريض فرضا إلى طبيب حاذق يجتهد هذا الطّبيب أوّلا في إزالة تأثير ذلك الدّواء ويعالجه بالمسهّلات يعني لإخراجه ثمّ يشرع في معالجة إزالة المرض بعد زوال ذلك التّأثير.

ومدار طريق هؤلاء الأكابر على الصّحبة لا يحصل فيه شيء من القيل والقال والسّماع العاري عن الأحوال بل يورث ذلك فتورا في طلب التّرقّي إلى مدارج القرب والكمال، ويحتمل أن يقع السّير إلى

(1) الآية: 7 من سورة إبراهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت