ثبّتنا الله تعالى وإيّاكم على جادّة آبائكم الكرام على أفضلهم أصالة وعلى بواقيهم متابعة الصّلاة والسّلام واعلم: أنّ الأنبياء صلوات الله تعالى وتسليماته وبركاته على جميعهم عموما وعلى أفضلهم خصوصا كلّهم رحمات من الله سبحانه استسعد العالم بتوسّط هؤلاء العظام بالنّجاة الأبديّة وتخلّصوا من البليّات السّرمديّة فلولا وجودهم الشّريف لما أخبر الحقّ سبحانه الّذي هو الغنيّ المطلق أحدا من أهل العالم عن ذاته وصفاته تعالى وتقدّس ولما دلّ عليها أحدا ولما أهدى إلى معرفته شخصا أبدا ولما كلّف عباده بامتثال أوامره والإنتهاء عن مناهيه سرمدا اللّذين كلّفهم بهما بمحض كرمه لنفعهم ولما امتازت مرضيّاته تعالى من غير مرضيّاته، فشكر هذه النّعمة العظمى بأيّ لسان يؤدّي ولمن يكون مجال الخروج عن عهدته، الحمد لله الّذي أنعم علينا وهدانا إلى الإسلام وجعلنا من مصدّقي الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وهؤلاء العظام متّفقون في الأصول وكلمتهم متّحدة في ذات الحقّ وصفاته تعالى وتقدّس وفي الحشر والنّشر وإرسال الرّسل ونزول الملك وورود الوحي ونعيم الجنّة وعذاب الجحيم بطريق الخلود والتّأبيد، واختلافهم إنّما هو في بعض الأحكام المتعلّقة بفروع الدّين وذلك لأنّ الحقّ سبحانه أرسل في كلّ زمان إلى أنبياء ذلك الزّمان بعض الأحكام المناسبة لذلك الزّمان بطريق الوحي، وكلّفهم بأحكام مخصوصة، والنّسخ والتّبديل دائران على حكم من الحقّ سبحانه ومصالح وكثيرا ما وردت إلى نبيّ صاحب شريعة يعني مستقلّة أحكام متضادّة في أوقات مختلفة بطريق النّسخ والتّبديل. ومن كلماتهم المتّحدة وعباراتهم المتّفقة نفي عبادة غير الحقّ سبحانه ومنع الإشتراك معه تعالى وتقدّس ومنع المخلوقات عن اتّخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله. وهذا الحكم مخصوص بالأنبياء ولم يشرّف بهذه الدّولة غير متابعيهم ولم يتكلّم بهذا الكلام أحد غير الأنبياء. والّذين ينكرون الأنبياء وإن أقرّوا بوحدانيّة الحقّ سبحانه ولكنّ خالهم غير خال عن أحد أمرين: إمّا تقليد أهل الإسلام، وإمّا التّوحيد في وجوب الوجود فقط دون استحقاق العبادة بخلاف أهل الإسلام يعني اتباع الأنبياء الكرام فإنّهم يوحّدونه سبحانه في وجوب الوجود وفي استحقاق العبادة، فإنّ المراد بنطق كلمة: لا إله إلّا الله نفي الآلهة الباطلة وإثبات المعبود بالحقّ، وممّا يختصّ بهؤلاء العظام اعتقاد أنفسهم بشرا مثل سائر النّاس واعتقاد أنّ الإله المعبود هو الحقّ سبحانه ودعوة النّاس إليه تعالى وتنزيهه جلّ شأنه عن الحلول والإتّحاد. ومنكرو النّبوّة ليسوا كذلك بل رؤساؤهم يدّعون الألوهيّة ويثبتون حلول الحقّ في أنفسهم ولا يتحاشون من دعوى استحقاق العبادة وإطلاق اسم الألوهيّة على أنفسهم. فلا جرم أنّهم لا يزالون يخلعون ربقة العبوديّة عن رقابهم ويقعون في منكرات الأفعال ومستقبحات الأعمال ويسلكون سبيل الإباحة ويزعمون أنّ الله غير ممنوع من شيء أصلا وكلّما يقولونه يحسبونه صوابا وكلّما يفعلون يزعمونه مباحا ضلّوا فأضلّوا فويل لهم ولأتباعهم ولأشياعهم. وممّا اتّفق عليه الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام وحرمه منكروهم وصاروا لا نصيب لهم من هذه الدّولة أنّهم عليهم الصّلاة والسّلام قائلون بنزول الملائكة الكرام الّذين هم معصومون مطلقا من الآثام وليس فيهم تلوّث وتعلّق بالأنام ومعتقدون أنّهم أمناء الوحي وحملة كلام الله تعالى وتقدّس يعني إلى الأنبياء العظام فكلّ ما يقوله هؤلاء الأكابر يقولونه من الحقّ سبحانه وكلّما يبلّغون يبلّغونه منه تعالى،