رزقنا الله سبحانه الإستقامة على جادّة الشّريعة الحقّة على مصدرها الصّلاة والتّحيّة. قد مضت مدّة من العود من سفر دهلى وأكره إلى الوطن المألوف ونقد الوقت الآن حبّ (1) الوطن من الإيمان فإن وقع السّفر بعد الوصول إلى الوطن فهو في نفس الوطن فإنّ السّفر في الوطن من الأصول المقرّرة عند أكابر الطّائفة النّقشبنديّة العليّة قدّس الله أسرارهم السّنيّة. ويحصل في هذا الطّريق ذوق من هذا السّفر في الإبتداء بطريق اندراج النّهاية في البداية، ويجعل جمع من هؤلاء الطّائفة مجذوبين سالكين إذا أريد ذلك، ويرمون أوّلا في السّير الآفاقيّ ثمّ يجذبون إلى السّير الأنفسيّ بعد تمام السّير الآفاقيّ. والسّفر في الوطن عبارة عن هذا السّير الأنفسيّ (ع) وهذي سعادات تكون نصيب من * (آخر) هنيئا لأرباب النّعيم نعيمها *. والوصول إلى هذه النّعمة العظمى منوط باتّباع سيّد الأوّلين والآخرين عليه وعلى آله من الصّلوات أكملها ومن التّحيّات أفضلها. وما لم يفن السّالك نفسه في الشّريعة ولم يتحلّ بحلا امتثال الأوامر والإنتهاء عن المناهي لا تصل رائحة من هذه الدّولة إلى مشامّ روحه، فإن حصلت له الأحوال والمواجيد فرضا مع وجود مخالفة الشّريعة، ولو مقدار شعرة فهى داخلة في الإستدراج تفضحه أخيرا، ولا إمكان للخلاص بدون اتّباع محبوب ربّ العالمين عليه وعلى آله من الصّلوات أفضلها ومن التّسليمات أكملها ينبغي للعاقل أن يصرف حياة أيّام معدودة في مرضيّات الله سبحانه وتعالى، وأيّ صفاء في عيش وأيّة لذّة في معيشة إذا لم يكن مولى العبد راضيا عن أفعاله والحقّ سبحانه وتعالى مطّلع على الأحوال الكلّيّة والجزئيّة وحاضر وناظر، فينبغي أن يستحيي منه سبحانه. فإنّه لو ظنّ اطّلاع مخلوق على الغيوب والأفعال القبيحة لما صدرت حينئذ قبيحة ولا عيب قطعا ولا يراد إطّلاعه على الغيوب البتّة، فأيّ بلاء وقع فإنّ أكثر النّاس لا يتّقون ولا ينقبضون ولا يبالون مع علمهم بحضور الحقّ سبحانه واطّلاعه على الضّمائر والسّرائر فأيّ إسلام هذا حيث لا اعتبار للحقّ عندهم مثل اعتبار هذا المخلوق. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا فبحكم: جدّدوا إيمانكم بقول لا إله إلّا الله ينبغي أن يجدّد الإيمان في كلّ آن بهذا القول العظيم الشّأن، وأن يتوب إلى الله سبحانه من جميع الأفعال المذمومة وينيب إليه تعالى، فإنّه لا يدري ربّما تكون الفرصة للتّوبة في وقت آخر هلك المسوّفون. حديث نبويّ عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات.
(وينبغي) أن يغتنم الفرصة ويصرفها في مرضاته تعالى والتّوفيق للتّوبة من عناية الحقّ سبحانه. فينبغي أن يطلب هذا المعنى دائما، وأن يطلب الهمّة من الدّراويش الّذين لهم قدم راسخ في الشّريعة ومعرفة تامّة من عالم الحقيقة، وأن يستمدّ منهم حتّى تظهر عناية الحقّ سبحانه من بابهم فتجذب إلى جناب قدسه تعالى بالتّمام فلا تبقى حينئذ مخالفة أصلا، فإنّه لو وجدت من مخالفة الشّريعة مقدار شعرة فالأمر في خطر، فلا بدّ من سدّ سبل المخالفة بالتّمام، (شعر) :
(1) (قوله حب الوطن من الايمان) والمشهور انه حديث قال السخاوى لم اقف عليه ومعناه صحيح من المخرج قلت يذكره الصوفية كثيرا وله عندهم معنى آخر. (القزاني رحمة الله عليه)