فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 1087

صورته» (1) وهذه الجامعيّة ثابتة لقلب الإنسان فإنّ جميع ما هو في كلّيّة الإنسان فهو موجود في القلب وحده، ولهذا يقال له الحقيقة الجامعة. ومن حيثيّة هذه الجامعيّة أخبر بعض المشائخ عن وسعة القلب بقوله: لو ألقي العرش وما فيه في زاوية قلب العارف لما أحسّ به أصلا فإنّ القلب جامع للعناصر والأفلاك والعرش والكرسيّ والعقل والنّفس وشامل للمكانيّ واللّامكانىّ فلا جرم لا يكون للعرش مقدار في جنب القلب بواسطة شموله للإمكانيّة لأنّ العرش وما فيه مع وجود الوسعة فيه داخل في دائرة الإمكان، والمكانيّ وإن كان وسيعا في حدّ ذاته لكنّه ضيّق في جنب الإمكانيّ لا مقدار له بالنّسبة إليه. ولكنّ أرباب الصّحو من المشائخ قدّس الله أسرارهم يعلمون أنّ هذا الحكم مبنيّ على السّكر ومحمول على عدم التّمييز بين حقيقة الشّيء وبين انموذجه، فإنّ العرش المجيد الّذي هو محلّ الظّهور التّامّ أجلّ وأرفع من أن يكون له حصول في القلب، والّذي يرى في القلب من العرش فهو أنموذج العرش لا حقيقته، ولا شكّ أنّه لا مقدار لهذا الأنموذج في جنب القلب، فإنّه جامع لانموذجات غير متناهية. ولا يقال للمرآة الّتي ترى فيها السّموات مع هذه الوسعة والكبر بأشياء أخر إنّها أكبر من السّموات. نعم إنّ تمثال السّموات الّذي هو في المرآة أصغر من المرآة لا حقيقة السّموات. (ولنوضّح) هذا المبحث بمثال وهو أنّ أنموذجا من عنصر كرة الأرض مكمون في بدن الإنسان، ولا يقال: إنّ بدن الإنسان أكبر وأوسع من كرة الأرض نظرا إلى جامعيّة الإنسان، بل لا مقدار لبدن الإنسان في جنب كرة الأرض أصلا. ومنشأ هذا الحكم إنّما هو توهّم الجزء الحقير للشّيء بل الانموذج الحقير للشّيء نفس ذلك الشّيء ومن هذا القبيل كلام بعض المشائخ الّذي صدر عنهم وقت غلبة السّكر كقولهم: إنّ الجمع المحمّديّ أجمع من الجمع الإلهيّ جلّ سلطانه فإنّهم لمّا زعموا أنّ محمّدا عليه الصّلاة والسّلام جامع لحقيقة الإمكان ومرتبة الوجوب حكموا بأنّ جامعيّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام أجمع من جامعيّة الله تعالى شأنه، وهنا أيضا زعموا الصّورة حقيقة فحكموا بذلك فإنّ محمّدا عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات جامع لصورة مرتبة الوجوب دون حقيقتها، والله سبحانه وتعالى وتقدّس واجب الوجود على الحقيقة. فلو فرّقوا بين حقيقة الوجوب وصورته لما حكموا به حاشا وكلّا من أمثال هذه الأحكام السّكريّة. فإنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم عبد مخلوق متناه محدود والله سبحانه غير متناه وغير محدود.

(وينبغي) أن يعلم أنّ كلّما هو من الأحكام السّكريّة فهو من مقام الولاية، وكلّما هو من أحكام الصّحو فله تعلّق بمقام النّبوّة، ولكمّل أتباع الأنبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات نصيب من هذا المقام بواسطة الصّحو بطريقة التّبعيّة. والبسطاميّة يفضّلون السّكر على الصّحو ولهذا قال الشّيخ أبو يزيد البسطاميّ قدّس سرّه: لوائي أرفع من لواء محمّد. أراد بلوائه لواء الولاية وبلواء محمّد عليه الصّلاة والسّلام لواء النّبوّة. ويرجّح لواء الولاية الّذي هو ناظر إلى السّكر على لواء النّبوّة الّذي هو ناظر إلى الصّحو.

(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «خلق الله آدم على صورته» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت