الممكنات فإن وقع السّير بعد ذلك في مراتب الوجوب تكون الصّورة ممتزجة بالحقيقة ومعاملة هذا الإمتزاج إلى العروج على شأن العلم الّذي هو مبدأ تعيّن سيّد البشر عليه الصّلاة والسّلام فإن وقع التّرقّي بعد ذلك يودع فيه الصّورة والحقيقة كلتاهما وتقع معاملة العارف في شأن الحياة ولا مناسبة بين هذا الشّأن العظيم الشّأن وبين العالم أصلا بل هو من الشّئونات الحقيقيّة الّتي لم تمسّه يد الإضافة أصلا حتّى يحصل له تعلّق بالعالم وهذا الشّأن هو دهليز المقصود ومقدّمة المطلوب ويجد العارف نفسه في ذلك الموطن خارجا من دائرة الشّريعة ولكن لمّا كان محفوظا بعناية الله لا يفوّت دقيقة من دقائق الشّريعة والّذين تشرّفوا بهذه الدّولة العظمى أقلّ قليل فإن بيّن عددهم فلعلّه لا يقبله الّا أقلّ قليل (ولمّا وصل) جمع كثير من الصّوفيّة إلى ظلّ هذا المقام فإنّ لكلّ مقام عال ظلّا تحته زعموا أنّهم خرجوا من دائرة الشّريعة وترقّوا من القشر ووصلوا إلى اللّبّ وهذا المقام بين الصّوفيّة من مزالّ الأقدام حتّى انّ طائفة من ناقصي سالكي هذا الطّريق صاروا زنادقة وملاحدة وأخرجوا رءوسهم من ربقة الشّريعة الغرّاء ضلّوا فأضلّوا وجماعة من الكملة الّذين تشرّفوا بدرجة من الولاية وحصّلوا هذه المعرفة في ظلّ من ظلال هذا المقام العالي وإن لم يصلوا إلى أصل هذا المقام ولكنّهم محفوظون لا يجوّزون ترك أدب من آداب الشّريعة وإن لم يعرفوا سرّ هذه المعرفة ولم يفهموا حقيقة المعاملة ولمّا انكشف سرّ هذا المعمّى لهذا الفقير بعناية الله سبحانه وتعالى وبركة حبيبه عليه الصّلاة والسّلام واتّضحت حقيقة الحال كما ينبغي أردت أن أورد نبذة منها في معرض البيان لعلّها ترشد النّاقصين إلى سواء الطّريق وتكشف للكاملين عن وجه حقيقة المعاملة (وينبغي) أن يعلم أنّ التّكليفات الشّرعيّة مخصوصة بالقالب والقلب فإنّ تزكية النّفس متفرّعة عليها والّذي يضع القدم من اللّطائف في خارج دائرة الشّريعة هو ما سوى هذه اللّطائف المذكورة يعني القالب والقلب فالّذي هو مكلّف بالشّريعة مكلّف بها دائما وما هو غير مكلّف بها مكلّف بها أصلا غاية ما في الباب أنّ اللّطائف كانت قبل السّلوك بعضها ممتزجا ببعض ولم تكن ممتازة عن القلب ولمّا ميّز السّرّ والسّلوك بعضها عن بعض وأوصل كلّا منها إلى مقرّه الأصليّ تبيّن أنّ أيّا منها كان مكلّفا وأيّا منها لم يكن مكلّفا.
(فإن قيل) إنّ العارف قد يجد في ذلك المقام قالبه وقلبه أيضا في خارج دائرة الشّريعة فما وجه ذلك؟ (أجيب) أنّ هذا الوجدان ليس بتحقيقيّ بل تخيّليّ ومنشأ التّخيّل هو انصباغ القلب والقالب بلون ألطف اللّطائف الّتي وضعت الأقدام في خارج دائرة الشّريعة.
فإن قيل: إنّ صورة التّكليفات الشّرعيّة وإن كانت مخصوصة بالقلب والقالب ولكن لحقيقة الشّريعة مجال فيما وراء القلب أيضا فما معنى وضع القدم في خارج مطلق الشّريعة؟
(أجيب) أنّ حقيقة الشّريعة وإن كان لها مجال فيما وراء القلب ولكنّها لا تتجاوز ولا تتعدّى الرّوح والسّرّ ولا تصل إلى الخفىّ والأخفى والّذي يضع الأقدام في الخارج هو الخفىّ والأخفى في