فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 1087

بعد زمان، وخيّل لي في ذلك الوقت أنّ هذا العالم بتمامه من العنصريّات والفلكيّات نازل إلى التّحت، ولم يبق منه اسم ولا رسم، ولمّا لم يكن في ذلك المقام إلّا بعض الأولياء الكبار، والآن أجد تمام العالم شريكا لي في المحلّ والمقام.

حصلت الحيرة بأنّه مع وجود الأجنبيّة التّامّة أرى نفسي معهم. والحاصل: تظهر أحيانا حالة لا أبقى فيها أنا ولا العالم ولا يظهر شيء لا في النّظر ولا في العلم، وتلك الحالة مستمرّة إلى الآن ووجود العالم محتجب عن النّظر والعلم، ثمّ ظهر في ذلك المقام قصر عال قد وضع فيه سلالم فطلعت فيه ثمّ تنزّل ذلك المقام أيضا بالتّدريج مثل العالم ووجدتني صاعدا ساعة فساعة فصلّيت اتّفاقا ركعتي شكر الوضوء، فظهر مقام عال جدّا، فرأيت فيه الأكابر الأربعة (1) النّقشبنديّين قدّس الله أسرارهم وكان فيه أيضا مشايخ آخرون مثل سيّد الطّائفة وغيره، وكان بعض من المشائخ فوق ذلك المقام، ولكن كانوا قاعدين آخذين بقوائمه وكان بعضهم تحته على تفاوت درجاتهم، ووجدت نفسي بعيدا عن ذلك المقام جدّا، بل لم أر في نفسي مناسبة بهذا المقام. فحصل لي من هذه الواقعة اضطراب تامّ حتّى كدت أكون مجنونا ويخرج روحي من بدني من فرط الحزن والأسف فمرّت على هذه النّهج أوقات، ثمّ رأيت نفسي أخيرا مناسبا لذلك المقام بتوجّهاتكم العليّة. ووجدت رأسي أوّلا محاذيا لذلك المقام، ثمّ صعدت تدريجا وقعدت فوقه، ثمّ خطر في بالى بعد التّوجّه أنّ ذلك المقام مقام التّكميل التّامّ يوصّل إليه بعد تمام السّلوك ولا حظّ من ذلك المقام لمجذوب لم يتمّ السّلوك، وخيّل لي في ذلك الوقت أنّ الوصول إلى ذلك المقام من نتائج تلك الواقعة الّتي كنت رأيتها حين كوني في ملازمتكم، وهي أنّي رأيت سيّدنا عليّا كرّم الله وجهه قد جاء وقال:

"جئتك لأعلّمك علم السّموات"إلخ. ولمّا أمعنت النّظر وجدت ذلك المقام مخصوصا بسيّدنا عليّ (2) كرّم الله وجهه من بين سائر الخلفاء الرّاشدين رضي الله عنهم أجمعين والله سبحانه وتعالى أعلم.

والمعروض ثانيا: أنّه يظهر لي أنّ الأخلاق السّيئة ترتفع ساعة فساعة بعضها يخرج من البدن مثل الخيط وبعضها مثل الدّود، ويخيّل في بعض الأوقات أنّ كلّها قد زالت ثمّ يظهر في وقت آخر. وثالثا: أنّ التّوجّه لدفع بعض الأمراض والشّدائد هل هو مشروط بأن يعلم رضا الحقّ سبحانه أوّلا أو لا؟ والظّاهر من عبارة الرّشحات المنقولة عن حضرة الخواجه يعنى: عبيد الله أحرار قدّس الله سرّه الأقدس أنّ هذا ليس بشرط فبماذا تحكمون في هذا الباب، مع أنّ التّوجّه غير مستحسن يعنى: عنده. ورابعا: أنّ بعد تحقّق

(1) لعله أراد بهم الخواجه عبد الخالق الغجدوانى والخواجه محمد بهاء الدين النقشبند والخواجه علاء الدين العطار والخواجه عبيد الله أحرار قدس سرهم لمؤلفه عفى عنه.

(2) أبو الحسن علي بن أبي طالب: ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، واسم أبي طالب عبد مناف، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، أسلمت وهاجرت، ويكنى أبا الحسن وأبا تراب، أسلم وهو ابن سبع سنين، وشهد المشاهد كلها، ولم يتخلف إلا في تبوك؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في أهله، وكان غزير العلم مرجعا في الفتوى والقضاء حتى قيل: «فتوى ولا أبا الحسن لها» ، توفي بالمدينة سنة خمسين. انظر: ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب في أخبار من ذهب: 1/ 56، ابن الجوزي: صفة الصفوة: 1/ 162، الشيخ يس السنهوتي النقشبندي ت (1416 ه) : الأنوار القدسية في مناقب السادة النقشبندية: 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت