فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 1087

ذلك الفتور سببا لتعطّل الحسّ والذّهول عن الإحساس ويفضي إلى ضعف القوى والجوارح والسّقوط على الأرض بلا اختيار وعبّر الشّيخ الأجلّ محيي الدّين بن عربيّ قدّس سرّه في الفتوحات المكّيّة عن هذه الحالة بالسّماع الرّوحيّ وقال للسّماع الّذي يكون بالرّقص والحركة الدّوريّة سماعا جسديّا وبالغ في المنع منه فتحقّق من هذا البيان أنّ هذه الغيبة الصّوريّة متضمّنة للحضور المعنويّ وذاك الذّهول الرّوحيّ مشتمل على الشّعور الرّوحيّ الّذي يناسبه التّعبير عنه بالبدر ولنرجع إلى أصل الكلام ينبغي أن يعلم أنّ استتار وجه البدر بالغيم الأسود كناية عن ظهور الصّفات البشريّة الّتي يحصل الحضور والشّعور للمبتدئين باستتارها وهذا الإستتار يمتدّ إلى أواسط الأحوال فإنّ المتوسّطين ليس لهم هذا الإستتار وإن لم يخلوا عن نحو من الاستتار ويمكن أن يكون أنّه لهذا المعنى قال ولمّا كان نصف اللّيل ظهر البدر من الغيم ثانيا فوجدت أثر قدم هذين الشّخصين فإنّ الطّريق يتّضح حالة البسط الّتي هي أوان الحضور والشّعور ويكون قطع المسافة أزيد ولمّا طلع الفجر يعني زالت تلك الغيبة والذّهول وقوى ذلك الحضور والشّعور واجتمع مع التّوجّه إلى الخلق وكنى عن هذا الحضور بطلوع الشّمس. والجبل عبارة عن وجود البشريّة الّذي ظهر له في ذلك الوقت فإنّ تزكية النّفس إنّما هي بعد تصفية القلب في هذا الطّريق ولمّا كانت بهذين الشّخصين من التّراكمة قوّة الجذب واستيلاء المحبّة فلا جرم وضعا أقدامهما على ذروة الجبل بالسّرعة والسّهولة وطلعا فوقه في ساعة واحدة وتشرّفا بنحو من الفناء ولمّا لم تكن لحسين القصّاب هذه القوّة طلع فوق ذلك الجبل بمحنة كثيرة وهذا أيضا إنّما تيسّر له ببركة متابعته لهذين الشّخصين والّا لقطع رأسه والمعسكر عبارة عن الأعيان الثّابتة الّتي هي جامعة لتعيّنات الحقائق الإمكانيّة والتّعيّن الوجوبيّ والخيام الغير المتناهية كناية عن تلك التّعيّنات والخيمة الكبيرة فيما بينهما إشارة إلى التّعيّن العلميّ الوجوبيّ تعالى وتقدّس ولذا قيل له إنّها خيمة سلطانيّة ولمّا سمع الحسين القصّاب أنّها خيمة سلطانيّة تخيّل أنّه قد بلغ المطلب فأراد أن ينزل من مركب السّكر الّذي لا يتيسّر قطع مسافة هذا الطّريق بدون مدده ورام أن يستريح بالوصول إلى المطلوب ولمّا أخرج رجله اليمنى الّتي هي عبارة عن الرّوح فإنّ السّير إنّما يكون في هذا الطّريق الغير المسلوك بقدم الرّوح والقلب لا بقدم العلم والعمل فإنّه مناسب للطّريق المسلوك وأوّل شيء ينزل من مركب السّكر هو الرّوح ثمّ بعده القلب الّذي عبّر عنه بالرّجل اليسرى من الرّكاب وصل خطاب الهاميّ إلى سمع قلبه أنّ السّلطان ليس في الخيمة والحقّ أنّه كذلك ولكن لمّا لم تكن في الحسين القصّاب قوّة الجذب نزل من السّكر ببشارة قليلة وأمّا هذان الشّخصان فإنّهما لمّا كان بهما جذب قويّ لم يغترّا بأمثال هذه المبشّرات بل طلعا الفوق مثل الشّجعان فإن انتظر الحسين القصّاب هناك ألف سنة مثلا لما وجد السّلطان في الخيمة أصلا فإنّه تعالى وراء الوراء قوله بل هو قعد يصطاد يعني قعد على المجالى والمظاهر الجميلة وشرع في صيد قلوب العشّاق وهذا النّداء المتضمّن لهذا المعنى إنّما كان على مقدار استعداد الحسين القصّاب وحوصلة فهمه ودرايته تكلّموا معه بطريق التّنزّل والّا فلا معنى للقعود فيما فيه هو تعالى وتقدّس، (شعر) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت