كان الشّرّ مرآة للخير والنّقص مرآة للكمال. فما زاد فيه النّقص والشّرّ يكون الكمال فيه أزيد والخير أوفر والعجب أنّ هذا الذّمّ كشف عن وجه معنى المدح وصار الشّرّ والنّقصان محلّا للخير والكمال. فلا جرم يكون مقام العبديّة فوق جميع المقامات فإنّ هذا المعنى أتمّ وأكمل في مقام العبديّة وإنّما يتشرّف بهذا المقام المحبوبون وتلذّذ المحبّين إنّما هو بذوق الشّهود والإلتذاذ بالعبديّة والانس بها مختصّان بالمحبوبين. أنس المحبّين في مشاهدة المحبوب وأنس المحبوبين في عبوديّة المحبوب. فهم يتشرّفون في هذا الانس بتلك الدّولة والنّعمة. وفارس هذا الميدان على الإطلاق هو سند الدّنيا والدّين وسيّد الأوّلين والآخرين وحبيب ربّ العالمين عليه من الصّلوات أتمّها ومن التّحيّات أكملها. فإن أريد إيصال شخص إلى هذه الدّولة بمحض الفضل يجعل أوّلا متحقّقا بكمال متابعته عليه الصّلاة والسّلام، ثمّ يرفع بتلك المتابعة إلى ذروة العلا ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (1) .
والمراد من الشّرّ والنّقص العلم الذّوقيّ بهما لا الإتّصاف بهما، وصاحب هذا العلم متخلّق بأخلاق الله تعالى شأنه وتقدّس وهذا العلم من جملة ثمرات ذلك التّخلّق. فكيف يكون للشّرّ والنّقص مجال في ذلك الموطن سوى تعلّق العلم بهما. وهذا العلم إنّما هو بواسطة الشّهود التّامّ للخير المحض الّذي يرى الكلّ في جنبه شرّا. وهذا الشّهود بعد نزول النّفس المطمئنّة إلى مقامها ولذلك ما دام العبد لم يسقط حظّ نفسه ولم يضرب به الأرض ولم يبلغ أمره هذه المرتبة لا نصيب له من كمال مولاه جلّ شأنه فكيف إذا اعتقد نفسه أنّه عين مولاه وصفاته صفاته تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا وهذا الإعتقاد إلحاد في الأسماء والصّفات وأربابه داخلون في زمرة مصداق قوله تعالى وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ (2) وليس كلّ من تقدّمت جذبته على سلوكه من المحبوبين ولكنّ تقدّم الجذبة شرط في المحبوبيّة نعم في كلّ جذبة نوع من معنى المحبوبيّة. فإنّ الجذب لا يكون بدونه وذلك المعنى حصل فيهم بسبب عارض من العوارض لا ذاتيّ، والذّاتيّ غير معلّل بشيء من الأشياء ألا ترى أنّ كلّ منته تتيسّر له الجذبة أخيرا مع كونه داخلا في زمرة المحبّين ظهر فيه معنى المحبوبيّة بواسطة عارض وهو لا يكفي فيه يعني «حصول هذا المعنى لا يكفي في كون السّالك محبوبا» ، وذلك العارض هو التّزكية والتّصفية، ويكون الباعث على حصول هذا المعنى لبعض المبتدئين في الجملة اتّباع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولو في الجملة بل الباعث عليه في المنتهى أيضا هو الاتّباع فقط، وظهور ذلك المعنى الذّاتيّ والفضليّ في المحبوبين أيضا منوط باتّباعه صلّى الله عليه وسلّم بل أقول: إنّ ذلك المعنى الذّاتيّ بواسطة المناسبة الذّاتيّة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والاسم الّذي هو ربّه واقع مناسبا للاسم الّذي هو ربّه صلّى الله عليه وسلّم في حقّ تلك الخصوصيّة
(1) الآية: 21 من سورة الحديد، والآية: 4 من سورة الجمعة.
(2) الآية: 180 من سورة الأعراف.