في الجنّة ولا في النّار بل يعذّبون ويعاقبون بعد البعث والإحياء في الآخرة على قدر جريمتهم في مقام الحساب وتستوفى منهم الحقوق ثمّ يجعلون بعد ذلك معدوما مطلقا ولا شيئا محضا مثل حيوانات غير مكلّفة فلمن يكون الخلود ومن يكون مكلّفا ولمّا عرضت هذه المعرفة الغريبة في محضر من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام صدّقها جميعهم وقبلوها والعلم عند الله سبحانه وتعالى والحكم بإخلاد الحقّ سبحانه وتعالى عبده في النّار وتأبيد عذابه بمجرّد العقل الّذي مجال الخطإ والغلط كثير فيه جدّا من غير بلاغ بيّن بوساطة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام مع كمال رأفته ورحمته تعالى يثقل على هذا الفقير جدّا كما يثقل الحكم بالخلود في الجنّة مع وجود الشّرك كما يلزم ذلك على مذهب الأشعريّ لعدم القول بالواسطة بين الجنّة والنّار فالحقّ ما ألهمت به من إعدامه بعد استيفاء محاسبة يوم الحشر كما مرّ وهذا هو حكم أطفال مشركي دار الحرب عند الفقير أيضا قال فإنّ دخول الجنّة منوط بالإيمان إمّا بالأصالة وإمّا بالتّبعيّة وإن كانت تبعيّة دار الإسلام كما هو في أطفال أهل الذّمّة والإيمان مفقود في حقّهم مطلقا فلا يتصوّر دخولهم الجنّة ودخول النّار والخلود فيها مربوط بالشّرك بعد ثبوت التّكليف وهذا أيضا مفقود في حقّهم فحكمهم حكم البهائم من الإعدام بعد البعث والنّشور للحساب واستيفاء الحقوق وهذا هو الحكم أيضا في مشركي زمن فترة الرّسل الّذين لم تبلغهم دعوة نبيّ من الأنبياء.
(أيّها الولد) إنّ هذا الفقير كلّما يلاحظ ويجيل النّظر لا يجد محلّا لم تبلغه دعوة نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام بل يكون محسوسا أنّ نور دعوته صلّى الله عليه وسلّم بلغ كلّ محلّ مثل نور الشّمس حتّى اليأجوج والمأجوج الّذين حال بينهم السّدّ وان ألاحظ في الامم السّابقة لا أجد بقعة لم يبعث فيها نبيّ حتّى في أرض الهند الّتي ترى بعيدة عن هذه المعاملة أجد أنبياء كانوا مبعوثين من أهل الهند ودعوا إلى الحقّ جلّ شأنه ويشاهد في بعض بلاد الهند أنوار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في ظلمات الشّرك كالمشاعل المسرّجة فإن شئت عيّنت تلك البلاد وأرى نبيّا لم يصدّقه أحد ولم يقبل دعوته ونبيّا آخر آمن به شخص وآخر صدّقه شخصان وصدّق البعض ثلاثة ولا يقع النّظر على أزيد من ثلاثة آمنوا بنبيّ في الهند ولا أرى نبيّا آمن به واتّبعه أربعة وما كتبه رؤساء كفرة الهنود من وجود الواجب وصفاته ومن تنزيهاته وتقديساته كلّ ذلك مقتبس من أنوار مشكاة النّبوّة لأنّه مضى في كلّ عصر من الامم السّابقة نبيّ من الأنبياء وأخبروا عن وجود الواجب وصفاته الثّبوتيّة ومن تنزيهاته وتقديساته سبحانه وتعالى.
فلو لا وجود هؤلاء الكبراء كيف كان هؤلاء المخذولون بعقولهم القاصرة العمياء المتلوّثة بظلمات الكفر والمعاصي مهتدين إلى هذه الدّولة وعقول هؤلاء المخذولين النّاقصة حاكمة في حدّ ذاتها بالوهيّتهم ولا يثبتون إلها سواهم كما قال فرعون مصر (ما علمت لكم من إله غيري) وقال أيضا: لان اتّخذت إلها غيري لأجعلنّك من المسجونين.